مقالات الرأي

النيل الأزرق بين طموحات إثيوبيا ومخاوف مصر من مستقبل المياه

النيل الأزرق بين طموحات إثيوبيا ومخاوف مصر من مستقبل المياه

تقرير: أيمن بحر

تعود قضية النيل الأزرق إلى واجهة المشهد من جديد فى ظل استمرار إثيوبيا فى تنفيذ رؤيتها الخاصة باستغلال مواردها المائية والتوسع فى مشروعات السدود والطاقة والزراعة وهو ما يجعل ملف مياه النيل واحدا من أكثر الملفات حساسية فى منطقة حوض النيل
فالنيل الأزرق ليس مجرد مجرى مائى داخل الأراضى الإثيوبية بل يمثل أحد أهم روافد نهر النيل الذى تعتمد عليه مصر بصورة أساسية في توفير احتياجاتها المائية ولذلك فإن أى توسع كبير فى عمليات التخزين أو إقامة مشروعات مائية جديدة يظل محل متابعة واهتمام بالغين من القاهرة
وتعود جذور التفكير فى إقامة مشروعات ضخمة على النيل الأزرق إلى عقود طويلة مضت حيث ظهرت خلال ستينيات القرن الماضي تصورات فنية لاستغلال الإمكانات الهائلة للنهر فى إنتاج الكهرباء والتوسع الزراعى وإقامة عدد من السدود الكبيرة على امتداد مجراه
وتضمنت تلك التصورات أربعة مشروعات رئيسية كان من بينها كارا دوبي ومابيل ومندايا ومشروع آخر بالقرب من الحدود السودانية وكانت الدراسات تتحدث عن قدرات تخزينية ضخمة وإمكانات كبيرة لتوليد الطاقة وتوفير المياه اللازمة للتوسع الزراعي
ومع مرور السنوات تغيرت الخطط وتبدلت المواصفات وتوقفت بعض المشروعات أو أعيد تصميمها بينما استمرت فكرة استغلال النيل الأزرق باعتباره واحدا من أهم مصادر الطاقة والمياه داخل إثيوبيا
وفي هذا السياق ظهر سد النهضة باعتباره المشروع الأكبر والأكثر تأثيرا في منظومة النيل الأزرق الحديثة وفرض نفسه كقضية إقليمية تتجاوز حدود إثيوبيا بسبب ارتباط تشغيله وتخزين المياه فيه بتدفقات النهر إلى السودان ومصر
وتؤكد إثيوبيا أن مشروعاتها المائية جزء من حقها في التنمية وتوليد الكهرباء وتحسين مستوى معيشة مواطنيها بينما ترى مصر أن حق التنمية يجب أن يترافق مع الالتزام بعدم الإضرار بدول المصب والحفاظ على تدفق المياه بصورة لا تهدد احتياجاتها الأساسية
وهنا تكمن جوهر الأزمة
فالمشكلة ليست في حق أي دولة في التنمية وإنما في كيفية إدارة نهر عابر للحدود يشترك فيه أكثر من شعب ودولة
كما أن القلق المصري لا يتعلق فقط بحجم التخزين داخل سد النهضة وإنما يمتد إلى مستقبل النيل الأزرق إذا اتجهت إثيوبيا إلى تنفيذ المزيد من المشروعات المائية الكبرى على النهر وهو ما يفرض ضرورة وجود قواعد واضحة للتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والسنوات شديدة الجفاف
وتزداد أهمية هذا الملف مع التوسع في النشاط الزراعي داخل إثيوبيا وارتفاع الحاجة إلى المياه والطاقة وهو ما يجعل إدارة الموارد المائية مسألة استراتيجية بالنسبة لجميع دول الحوض
أما الحديث عن المخططات القديمة باعتبارها مؤامرة مكتملة الأركان ضد مصر فيحتاج إلى قدر من الدقة والتمييز بين ما ورد فعليا فى الدراسات الفنية القديمة وبين التفسيرات السياسية التي ظهرت حولها لاحقا
فوجود دراسات قديمة اقترحت إقامة سدود ومشروعات للري والطاقة على النيل الأزرق أمر معروف في سياق تاريخ التخطيط المائى فى المنطقة لكن تحويل هذه الدراسات وحدها إلى دليل قاطع على وجود مخطط هدفه تعطيش مصر يحتاج إلى أدلة إضافية ومستقلة
وفي المقابل فإن استمرار إثيوبيا فى تطوير قدراتها المائية يجعل من الضروري بالنسبة لمصر التعامل مع القضية باعتبارها ملف أمن مائى طويل الأمد وليس مجرد خلاف مؤقت حول سد واحد
فالنيل بالنسبة للمصريين قضية حياة وليست مجرد مورد اقتصادى
وأى تغيير جوهرى فى منظومة تدفق المياه يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الزراعة والصناعة ومياه الشرب والاقتصاد وحياة ملايين المواطنين
ومن هنا تظل الحاجة قائمة إلى تفاهمات واضحة وملزمة بين دول النيل الأزرق تضمن حق إثيوبيا فى التنمية وتحفظ فى الوقت نفسه مصالح السودان ومصر وتمنع تحويل النهر إلى مصدر دائم للتوتر والصراع
إن إدارة النيل تحتاج إلى لغة المصالح المشتركة وليس لغة فرض الأمر الواقع
فالمياه التى تبدأ رحلتها من الهضبة الإثيوبية لا تتوقف عند الحدود السياسية وإنما تواصل طريقها عبر السودان وصولا إلى مصر ولذلك فإن أي رؤية مستقبلية للنهر يجب أن تقوم على التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات والشفافية فى التشغيل
وفى النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن مصر لا تستطيع التعامل مع قضية النيل باعتبارها ملفا عاديا لأن النهر يمثل شريان الحياة الرئيسى للبلاد
ومع استمرار الخطط الإثيوبية للتوسع فى استغلال النيل الأزرق ستظل عيون القاهرة مفتوحة على كل تطور جديد حفاظا على حقوقها المائية ومصالح شعبها مع استمرار التأكيد على أن التنمية الحقيقية فى المنطقة يجب أن تكون وسيلة للتعاون والاستقرار لا سببا فى تهديد أمن الشعوب
حفظ الله مصر شعبا وجيشا ورئيسا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى