اقتصاد

سوق الحديد في تونس أمام اختبار صعب في 2026

سوق الحديد في تونس أمام اختبار صعب في 2026

كتب: أيمن بحر
يبدو أن سوق الحديد في تونس مقبل على عام جديد من الهدوء أكثر من كونه على موعد مع انتعاشة حقيقية في الطلب حيث تشير التقديرات إلى أن استهلاك منتجات الحديد الجاهزة قد يدور خلال عام 2026 حول 720 ألف طن وهو مستوى قريب من معدلات السنوات الماضية
ويعكس هذا الرقم حالة من الجمود المستمر في السوق التونسية التي لم تتمكن خلال السنوات الأخيرة من تحقيق قفزة واضحة في الاستهلاك نتيجة ضعف النشاط العقاري ومحدودية الإنفاق الحكومي على مشروعات البنية الأساسية إلى جانب تراجع الاستثمارات الأجنبية
وتشير تقديرات مركز متخصص في أسواق الحديد والصلب إلى أن السوق التونسية ظلت تتحرك خلال السنوات الماضية في نطاق يتراوح بين 670 و730 ألف طن سنويا وهو ما يجعل توقعات العام المقبل أقرب إلى استمرار الوضع الحالي وليس بداية دورة نمو جديدة
وتستحوذ منتجات الحديد الطويلة وعلى رأسها حديد التسليح وقضبان الأسلاك على النسبة الأكبر من المبيعات فيما تظل المنتجات المسطحة في مرتبة أقل بسبب محدودية النشاط الصناعي والإنشائي الذي يعتمد عليها
ويظل قطاع البناء السكني المحرك الأساسي للطلب على الحديد في تونس حيث يمثل أكثر من نصف الاستهلاك تقريبا ويأتي جزء كبير منه من عمليات البناء الفردي بينما يعتمد الجزء الآخر على المطورين العقاريين
وفي المقابل لا يزال برنامج الإسكان الاجتماعي محدود التأثير على سوق الحديد نتيجة القيود المالية التي تحد من قدرة الدولة على تنفيذ أعداد كبيرة من الوحدات السكنية سنويا
وتعتمد تونس بدرجة ملحوظة على واردات الحديد لتلبية احتياجات السوق ومصانع الدرفلة حيث تمثل المنتجات المستوردة نسبة كبيرة من إجمالي الاستهلاك بينما تحصل المصانع المحلية على جانب أساسي من احتياجاتها من المنتجات نصف المصنعة القادمة من الخارج
وتأتي تركيا في مقدمة الدول المنافسة في سوق الحديد التونسي مستفيدة من الترتيبات التجارية القائمة فيما تحافظ دول أوروبية مثل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا على حضورها في المنتجات المسطحة والأنابيب والمنشآت الحديدية مع محاولات متزايدة من المنتجين الآسيويين للدخول بقوة إلى السوق
أما الصادرات التونسية من الحديد فما زالت محدودة وترتبط في معظم الأحيان بوجود فائض في الإنتاج أو تحسن الأسعار في الأسواق الخارجية وتتجه بعض الكميات إلى أسواق أوروبية إضافة إلى تجارة محدودة مع ليبيا والجزائر
وعلى مستوى الإنتاج المحلي تواجه مصانع الحديد مشكلة أخرى تتمثل في ضعف معدلات تشغيل الطاقات الإنتاجية وهو ما يرتبط بصورة مباشرة بحالة الركود التي يعاني منها قطاع البناء
وتضم تونس شركة الفولاذ في منزل بورقيبة باعتبارها المنتج المتكامل الأبرز في البلاد إلى جانب عدد من مصانع الدرفلة في مناطق مختلفة إلا أن الإنتاج المحلي من المواد الأولية لا يكفي لتغطية احتياجات مصانع الدرفلة التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات
وتواصل الدولة مساندة شركة الفولاذ نظرا لأهميتها الاقتصادية والاجتماعية من خلال إجراءات مرتبطة بالتمويل وتسوية الالتزامات وتوفير مستلزمات الإنتاج وضمان استمرار أجور العاملين
وفي الوقت نفسه تستفيد مصانع الدرفلة الخاصة من ترتيبات جمركية تساعدها على استيراد المواد اللازمة للتصنيع وهو ما يجعل السوق التونسية مرتبطة بصورة كبيرة بتطورات أسعار الحديد العالمية وحركة التجارة الخارجية
ويرى مراقبون أن المشكلة الأساسية ليست في قدرة تونس على زيادة استهلاك الحديد وإنما في غياب المشروعات الكبرى التي يمكنها خلق طلب جديد وتحريك قطاعات البناء والصناعة والنقل
ويأتي مشروع ميناء المياه العميقة في النفيضة في مقدمة المشروعات التي كان من الممكن أن تحدث تغييرا كبيرا في حجم الطلب على الحديد في حال دخوله مرحلة التنفيذ الفعلي بعد سنوات طويلة من التأجيل والتعثر
كما تمثل مشروعات الطاقة المتجددة فرصة أخرى أمام قطاع الحديد خاصة مع خطط التوسع في إنشاء مزارع الرياح إلا أن عددا من هذه المشروعات لا يزال يواجه عقبات مرتبطة بالتمويل والإجراءات الإدارية وجذب المستثمرين
وفي قطاع النقل توجد مشروعات لتطوير خطوط السكك الحديدية من شأنها زيادة الطلب على المنتجات الحديدية خلال مراحل التنفيذ إلا أن تأثيرها يظل محدودا مقارنة بما يمكن أن تحدثه مشروعات قومية واسعة في الإسكان والبنية الأساسية
وتكشف الصورة النهائية أن سوق الحديد التونسية لا تعاني من نقص في القدرات الصناعية فقط وإنما تواجه أزمة أوسع ترتبط بضعف الطلب وتراجع الاستثمارات ومحدودية المشروعات الكبرى
وبالتالي فإن وصول الاستهلاك إلى نحو 720 ألف طن خلال عام 2026 قد يعكس استمرار حالة الاستقرار أكثر مما يعبر عن انتعاش حقيقي
ويبقى كسر حالة الجمود مرهونا بقدرة تونس على إطلاق مشروعات كبرى وجذب استثمارات جديدة وتحريك قطاع البناء والبنية الأساسية وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة لسوق الحديد ويعيد تشغيل الطاقات الصناعية بصورة أكبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى