مخطط الـ200 مليار دولار ما الذى يُحضر له السيسى فى السودان؟

مخطط الـ200 مليار دولار ما الذى يُحضر له السيسى فى السودان؟
كتب :أيمن بحر
تتجه العلاقات المصرية السودانية إلى مرحلة جديدة قد تحمل تحولات اقتصادية وتنموية واسعة مع اقتراب السودان من مرحلة إعادة الإعمار وإنهاء تداعيات الحرب حيث تتحرك القاهرة باتجاه دعم الدولة السودانية والحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها بالتوازى مع بحث فرص التعاون فى مشروعات البنية الأساسية والطاقة والزراعة والنقل والتعدين
وفي هذا السياق تبرز تقديرات وتصورات متداولة تتحدث عن حجم ضخم من الاستثمارات والمشروعات قد يصل في بعض الطروحات إلى نحو 200 مليار دولار خلال مراحل إعادة إعمار السودان وهو رقم لم تعلن عنه الحكومة المصرية باعتباره اتفاقا استثماريا نهائيا أو صفقة واحدة ولذلك يجب التعامل معه باعتباره تصورا لحجم الفرص المحتملة وليس مشروعا ماليا معتمدا بهذا الرقم
وتكشف التحركات الرسمية بين القاهرة والخرطوم أن الملف يتجاوز الدعم السياسي إلى وضع أسس تعاون اقتصادي طويل المدى فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس في فبراير الماضي دعم مصر لاستقرار السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية كما جرى التأكيد على أهمية استمرار التنسيق في ملفات المياه والأمن والتنمية
وتأتي إعادة إعمار السودان في مقدمة الملفات التي يمكن أن تشهد حضورا مصريا قويا خاصة في قطاعات الإسكان والطرق والكهرباء والسكك الحديدية والموانئ والمطارات والمياه والصحة والزراعة والصناعة والتعدين وهي قطاعات سبق أن بحثتها القيادة المصرية مع رئيس مجلس السيادة السوداني ضمن تصور أوسع للتكامل بين البلدين
ومن أبرز الملفات المطروحة كذلك تطوير الربط الكهربائي بين مصر والسودان وتوسيع التعاون في الزراعة واستغلال الأراضي والثروة الحيوانية والتعدين فضلا عن تطوير منظومة النقل وربط الأسواق بما يسمح بزيادة حركة التجارة والاستثمارات بين البلدين
وفي تطور لافت كشف رئيس الوزراء السوداني في حوار نشرته صحيفة الشروق المصرية في السادس من سبتمبر 2026 أن العاصمة السودانية تنتظر خلال الأيام المقبلة زيارة وفد مصري للتوافق على مشروعات بعينها من بينها إنشاء مدينة جديدة بمواصفات العاصمة الإدارية المصرية وهو ما يعكس انتقال التعاون من مستوى التصريحات العامة إلى بحث مشروعات محددة على الأرض
وتحمل هذه الخطوة دلالات اقتصادية مهمة بالنسبة لمصر أيضا إذ يمكن لشركات المقاولات والتطوير والصناعات الهندسية والخدمات اللوجستية المصرية أن تشارك في عملية إعادة إعمار السودان إذا توافرت الظروف الأمنية والتمويلية المناسبة كما يمكن أن تفتح السوق السودانية الواسعة أمام المنتجات والصناعات المصرية
ولا ينفصل البعد الاقتصادي عن الأمن القومي المصري فاستقرار السودان يمثل أهمية مباشرة لمصر بسبب الحدود المشتركة وملفات مياه النيل وحركة التجارة والأمن الإقليمي ولذلك تركز القاهرة في تحركاتها المعلنة على دعم وحدة الدولة السودانية ورفض تفككها والحفاظ على مؤسساتها الوطنية
كما أن عودة الاستقرار إلى السودان يمكن أن تعيد تنشيط مشروعات التكامل بين البلدين وفي مقدمتها الربط الكهربائي والسكك الحديدية والتبادل التجاري والتعاون في الصحة والزراعة والصناعة والتعدين وهي مجالات سبق أن أكدت الرئاسة المصرية العمل على تطويرها بما يحقق التكامل بين البلدين
وتشير المعطيات الرسمية كذلك إلى أن السودان نفسه بدأ التحضير لمرحلة ما بعد الحرب من خلال بحث مشروعات تنموية مستقبلية مع مؤسسات تمويل دولية حيث ناقشت وزارة المالية السودانية في أغسطس الماضي المشروعات التنموية القائمة والمستقبلية وترتيبات الاستراتيجية الخاصة بالسودان خلال الفترة من 2027 إلى 2029
ويبقى الرقم المتداول حول 200 مليار دولار هو الجزء الأكثر إثارة للجدل في هذا الملف فلا توجد حتى الآن إعلانات رسمية مصرية أو سودانية تؤكد توقيع اتفاق استثماري واحد بهذه القيمة ولذلك فإن الأدق صحفيا هو الحديث عن تصور واسع لإعادة إعمار السودان قد تتوزع تكلفته واستثماراته على سنوات طويلة وتشترك فيه مصر ودول عربية ومؤسسات تمويل دولية ومستثمرون من القطاع الخاص
أما ما يبدو واضحا فهو أن القاهرة تستعد لمرحلة جديدة في علاقتها مع الخرطوم تقوم على دعم الاستقرار وإعادة الإعمار وتعزيز الروابط الاقتصادية وربط المصالح المشتركة بين البلدين وفي مقدمتها الأمن المائي والطاقة والزراعة والنقل والتجارة
وبينما تقترب الحرب السودانية من مرحلة جديدة وفقا للتصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء السوداني فإن السؤال لم يعد فقط كيف تنتهي الحرب وإنما كيف سيعاد بناء السودان ومن سيكون شريكا أساسيا في هذه العملية وهنا تبدو مصر مرشحة بقوة للعب دور محوري بحكم الجغرافيا والتاريخ وحجم العلاقات القائمة بين الشعبين والدولة المصرية وما تمتلكه شركاتها ومؤسساتها من خبرات في تنفيذ المشروعات الكبرى
وفي النهاية فإن الحديث عن مخطط الـ200 مليار دولار يجب أن يبقى في إطار الفرص والتقديرات المستقبلية وليس باعتباره صفقة معلنة حتى الآن لكن المؤكد أن السودان يقف أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في المنطقة وأن مصر تسعى إلى أن تكون في قلب هذه المرحلة اقتصاديا وتنمويا وسياسيا بما يخدم مصالح الشعبين ويحافظ على أمن المنطقة واستقرارها




