من يجرؤ على الكلام؟ من بول فندلي إلى انحسار احتكار الخوف

من يجرؤ على الكلام؟
من بول فندلي إلى انحسار احتكار الخوف …
بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
تحرير: أيمن بحر
قبل أكثر من أربعة عقود، طرح النائب الأمريكي بول فندلي في كتابه الشهير They Dare to Speak Out سؤالاً بدا يومها شديد الحساسية: من يجرؤ على الكلام؟
كان فندلي يتحدث عن نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن، وعن البيئة السياسية التي جعلت انتقاد السياسات الإسرائيلية بالنسبة إلى كثير من السياسيين الأمريكيين مغامرة محفوفة بالكلفة الانتخابية.
ولم تكن قوة اللوبي في المال والعلاقات السياسية وحدهما، بل في شيء أكثر عمقاً: الخوف من استخدام هذه القوة ضد من يخرج عن الخط المألوف.
بعد أكثر من أربعين عاماً، يبدو أن السؤال القديم يعود، ولكن في ظروف مختلفة.
ما يجري اليوم داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي لا يعني أن إيباك فقدت نفوذها، ولا أن اللوبي المؤيد لإسرائيل لم يعد قادراً على التأثير في الانتخابات. على العكس، فقد أظهرت انتخابات 2026 أن قدرتها المالية والتنظيمية ما زالت كبيرة.
لكن شيئاً مهماً بدأ يتغير: السياسيون والناخبون لم يعودوا يتعاملون مع هذا النفوذ باعتباره قوة لا يمكن تحديها.
ولعل انتخابات ميشيغان الديمقراطية لمجلس الشيوخ هي أوضح مثال.
فقد واجه عبدول السيد منافسته هيلي ستيفنز، بينما ضخت إيباك وحلفاؤها عشرات الملايين من الدولارات لدعمها.
وتشير بيانات الإنفاق إلى أن الإنفاق الخارجي المؤيد لستيفنز تجاوز عشرات الملايين مقابل إنفاق أقل بكثير من جانب السيد.
ومع ذلك فاز السيد بفارق ضئيل في الانتخابات التمهيدية، في واحدة من أبرز الاختبارات التي واجهت نفوذ إيباك.
وهنا لا تكمن أهمية النتيجة في شخص عبدول السيد وحده، بل في الرسالة التي حملتها: المال الهائل لم يعد ضمانة للنصر.
وفي كاليفورنيا تكررت الصورة بصورة أخرى. فقد فازت عائشة وهاب بالانتخابات الخاصة لمقعد في مجلس النواب، رغم إنفاق يقارب 6.4 ملايين دولار من لجان مرتبطة بإيباك لدعم منافستها والهجوم عليها.
أما نيويورك، فقد شهدت في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية صعوداً لافتاً لمرشحين تقدميين مدعومين من زهران ممداني، وجعل بعضهم الموقف من إسرائيل ومن نفوذ إيباك جزءاً مركزياً من حملته الانتخابية.
وقد فاز ثلاثة مرشحين تقدميين في انتخابات اعتُبرت مؤشراً مهماً على اتساع النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول فلسطين وإسرائيل.
هذه الوقائع لا تثبت سقوط إيباك، لكنها تثبت شيئاً ربما يكون أهم على المدى البعيد:
الخوف لم يعد مطلقاً.
فالقوة السياسية لا تقوم على المال وحده؛ إنها تقوم أيضاً على اعتقاد الآخرين بأن مقاومة المال غير مستحيلة.
وحين يكتشف المرشح أن بإمكانه مواجهة اللوبي المؤيد لإسرائيل، وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، ثم الفوز رغم كل ذلك، فإن جزءاً من القوة النفسية التي تحيط باللوبي يبدأ في التآكل.
وهنا بالضبط تتجدد أهمية سؤال بول فندلي.
في الثمانينيات كان السؤال: من يجرؤ على الكلام؟
أما اليوم فيمكن صياغته بصورة مختلفة:
ماذا يحدث عندما يصبح الكلام ممكناً، ولا يعود ثمنه السياسي مؤكداً؟
هذه هي النقلة الحقيقية.
لقد ساهمت حرب غزة بصورة حاسمة في تسريع هذا التحول.
فالقضية الفلسطينية لم تعد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الأمريكيين مجرد قضية خارجية بعيدة، بل أصبحت قضية أخلاقية وسياسية وانتخابية داخل المجتمع الأمريكي.
وأصبح الدعم الأمريكي لإسرائيل موضوعاً للنقاش بين الشباب، والتيار التقدمي، والعرب والمسلمين الأمريكيين، وقطاعات أخرى من الناخبين الديمقراطيين.
وبذلك انتقل السؤال من: هل يجوز انتقاد إسرائيل؟ إلى سؤال أكثر جوهرية:
هل ينبغي أن تخضع السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، مثل أي سياسة خارجية أخرى، للنقاش الديمقراطي والمصلحة الأمريكية والقانون الدولي وحقوق الإنسان؟
إذا أصبحت الإجابة نعم، فإننا أمام تحول حقيقي في طبيعة النقاش السياسي الأمريكي.
ومن المهم هنا أن نكون دقيقين: القضية ليست صراعاً مع اليهود الأمريكيين، ولا مع اليهودية كدين، ولا مواجهة «اليهود» باعتبارهم جماعة واحدة. فهناك يهود أمريكيون ينتقدون السياسات الإسرائيلية، كما أن اللوبي المؤيد لإسرائيل ليس مرادفاً لليهود الأمريكيين.
المسألة سياسية بامتياز، وتتعلق بنفوذ جماعات الضغط وقدرتها على التأثير في الانتخابات والسياسات العامة.
ولهذا فإن التعبير الأدق ليس «انهيار اللوبي الإسرائيلي»، بل:
«انحسار احتكار الخوف السياسي».
فإيباك تستطيع أن تنفق عشرات الملايين، لكنها لا تستطيع أن تضمن النتيجة.
وتستطيع أن تستهدف مرشحاً، لكن استهدافه لم يعد يعني بالضرورة إسقاطه.
وهذه ليست نهاية نفوذها، وإنما بداية اختبار جديد له.
والأهم أن التحول لا يأتي من مرشح واحد أو انتخابات واحدة.
إنه يتشكل من تراكم: جيل جديد أكثر استعداداً لمساءلة السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وحركة شبابية أكثر حضوراً، وناخبون فلسطينيون وعرب ومسلمون أكثر تنظيماً، وتيارات تقدمية لم تعد تعتبر العلاقة مع إسرائيل قضية خارج نطاق النقاش الداخلي.
وهنا نعود مرة أخرى إلى بول فندلي.
لقد كان عنوان كتابه في زمنه سؤالاً عن الشجاعة السياسية في مواجهة النفوذ.
أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل بدأت أمريكا تدخل مرحلة يستطيع فيها السياسي أن يختلف مع الحكومة الإسرائيلية من دون أن يخاف تلقائياً على مستقبله السياسي؟
إذا كان الجواب يتجه تدريجياً إلى نعم، فإننا أمام تحول يتجاوز انتخابات 2026.
إنه تحول في حدود المسموح به في السياسة الأمريكية.
فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بسقوط مؤسسة قوية؛ أحياناً تبدأ بسقوط الاعتقاد بأن مواجهتها مستحيلة.
ولهذا قد يكون الزلزال الحقيقي الذي تشهده السياسة الأمريكية اليوم ليس أن إيباك خسرت بعض المعارك، وإنما أن عدداً متزايداً من السياسيين والناخبين بدأ يكتشف أنه يستطيع أن يقول «لا».
وهنا، بعد أكثر من أربعة عقود، يعود سؤال بول فندلي من جديد:
من يجرؤ على الكلام؟
والإجابة التي بدأت تتشكل داخل أمريكا تبدو مختلفة هذه المرة:
هناك من يجرؤ على الكلام… وهناك من يكتشف أنه يستطيع الفوز أيضاً.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
22/8/2026 م

