مصر والصين بين تجربة النهوض وتحديات بناء الدولة الحديثة

مصر والصين بين تجربة النهوض وتحديات بناء الدولة الحديثة
تقرير إخباري تحليلي بقلم: أيمن بحر
تطرح التجربة الصينية خلال العقود الأخيرة نموذجا لافتا في كيفية انتقال دولة كانت تعاني من الفقر وضعف الإنتاج إلى واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية في العالم
فمنذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين عام 1978 بدأت الدولة الصينية مسارا اقتصاديا جديدا ركز على زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير البنية الأساسية وفتح الأسواق أمام التجارة العالمية مع الحفاظ على قدر كبير من الاستقرار السياسي
ولم يكن الطريق سهلا فقد احتاجت الصين إلى عقود طويلة من العمل والاستثمار في التعليم والصناعة والنقل والطاقة والموانئ والتكنولوجيا حتى أصبحت اليوم قوة اقتصادية وصناعية كبرى ومركزا رئيسيا في سلاسل الإنتاج العالمية
وكان من أبرز عوامل النجاح الصيني التركيز على الاستقرار وتجنب الاضطرابات الداخلية الكبرى التي يمكن أن تعطل عملية التنمية إضافة إلى تبني سياسات اقتصادية تدريجية سمحت بتجربة نماذج جديدة في مناطق محددة قبل التوسع فيها على نطاق واسع
وتعد مدينة شنجن واحدة من أبرز الأمثلة على ذلك حيث تحولت من منطقة محدودة النشاط إلى مركز صناعي وتكنولوجي وتجاري عالمي بعد إطلاق سياسات اقتصادية خاصة جذبت رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية وأسهمت في نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية
كما وضعت الصين البنية الأساسية في مقدمة أولوياتها فتم إنشاء شبكات ضخمة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومشروعات الطاقة والاتصالات وهو ما وفر البيئة اللازمة لنمو الصناعة وجذب المستثمرين
أما مصر فتواجه ظروفا مختلفة تماما عن الظروف التي بدأت فيها الصين رحلة الإصلاح الاقتصادي فالدولة المصرية تتحرك في منطقة شديدة الاضطراب وتشهد أزمات وحروبا وصراعات ممتدة على عدد من حدودها إلى جانب تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية وجائحة كورونا وتأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات حركة الملاحة في البحر الأحمر
وتأثرت قناة السويس خلال السنوات الأخيرة بتراجع حركة الملاحة نتيجة التوترات الإقليمية واضطرابات البحر الأحمر وهو ما انعكس على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري
ورغم هذه التحديات شهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ مشروعات واسعة في مجالات الطرق والكباري والطاقة والمدن الجديدة والموانئ والمناطق الصناعية والبنية الأساسية بهدف تحسين قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج
ومن أبرز الملفات التي تراهن عليها الدولة المصرية ملف الاستثمار الأجنبي والتعاون الاقتصادي مع الدول الكبرى وفي مقدمتها الصين التي ترتبط بمصر بعلاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية متنامية
وتنظر الصين إلى مصر باعتبارها بوابة مهمة إلى الأسواق الأفريقية والعربية وموقعا استراتيجيا يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا بينما تسعى مصر إلى الاستفادة من الخبرات الصينية في الصناعة والتكنولوجيا والبنية الأساسية وزيادة معدلات التصنيع والإنتاج المحلي
وتتمثل القضية الأساسية أمام مصر خلال المرحلة المقبلة في تحويل مشروعات البنية الأساسية إلى طاقة إنتاجية حقيقية قادرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز موارد الدولة من العملات الأجنبية
كما يمثل الاستثمار في الإنسان والتعليم والتدريب الفني والتكنولوجيا عاملا حاسما في أي تجربة تنموية ناجحة فامتلاك الطرق والموانئ والمناطق الصناعية وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه عامل بشري مؤهل قادر على تشغيل المصانع وإدارة التكنولوجيا والمنافسة في الأسواق العالمية
وتكشف التجربة الصينية أيضا أن التنمية لا تتحقق خلال سنوات قليلة وإنما تحتاج إلى رؤية طويلة المدى واستقرار في السياسات وقدرة على الاستمرار في تنفيذ الخطط مع مراجعة الأخطاء وتصحيح المسار
ومصر تمتلك بالفعل عددا من المقومات التي يمكن أن تساعدها على تحقيق قفزة اقتصادية كبيرة وفي مقدمتها الموقع الجغرافي المتميز وقناة السويس والمساحات الواسعة القابلة للتنمية وقاعدة سكانية كبيرة وسوق محلية ضخمة وقوة بشرية شابة إلى جانب العلاقات الاقتصادية المتنوعة مع مختلف دول العالم
لكن الوصول إلى تجربة تنموية أكثر قوة يحتاج إلى التركيز على الإنتاج وليس الاستهلاك وعلى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير وليس الاعتماد المفرط على الاستيراد
كما يحتاج إلى دعم القطاع الخاص المنتج وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وتحقيق بيئة أكثر تنافسية وربط التعليم باحتياجات سوق العمل وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية
والدرس الأهم من التجربة الصينية ليس أن مصر يجب أن تصبح نسخة من الصين فلكل دولة ظروفها وتاريخها ومقوماتها وإنما الدرس الحقيقي هو أن بناء الدول يحتاج إلى نفس طويل وإرادة للعمل واستقرار في الرؤية واستثمار مستمر في الإنسان والإنتاج
مصر لا تحتاج إلى أن تصبح الصين بل تحتاج إلى بناء نموذج مصري قادر على استغلال موقعها ومواردها وقوتها البشرية وتحويل مشروعات التنمية إلى اقتصاد منتج يخلق فرص العمل ويزيد الصادرات ويحسن مستوى معيشة المواطنين
وبين تجربة الصين وتحديات مصر يبقى المستقبل مرهونا بقدرة الدولة والمجتمع والقطاع الخاص على تحويل الإمكانات إلى إنتاج وتحويل المشروعات إلى قيمة اقتصادية حقيقية وتحويل الأزمات إلى فرص
فالدول لا تبنى بالشعارات وحدها وإنما بالعمل والإنتاج والاستثمار في الإنسان والاستمرار في تنفيذ خطط التنمية
ومصر تمتلك الكثير من المقومات التي يمكن أن تجعل السنوات المقبلة مرحلة جديدة في مسيرة البناء إذا توافرت الرؤية الواضحة والعمل الجاد والصبر على نتائج الإصلاح
مصر لن تكون الصين ولن تكون نسخة من أي دولة أخرى
مصر يمكن أن تكون مصر القوية الحديثة التي تستفيد من تجارب الآخرين وتبني طريقها الخاص نحو المستقبل




