مصر بين الغلاء والحفاظ على الدولة

مصر بين الغلاء والحفاظ على الدولة
بقلم خالد البنا
: نعمة الاستقرار وخطر الحرب الأهلية
في زمنٍ تتقاذف فيه الأمم أهوال الفتن، وتموج الشعوب بين صرخات الجوع وأصوات المدافع، تبقى مصر — برغم الغلاء، وشدة المعيشة، وضيق الحال — بلدًا آمنًا مطمئنًا لم تُراق فيه الدماء ولم تتفتت مؤسساته، وذلك فضلٌ عظيم قد لا يدركه الناس إلا إذا رأوا بعينهم ما تصنعه الحروب الأهلية بالأوطان.
كثيرون يظنون أن الغلاء هو نهاية الدنيا، وأن الصبر على ضيق العيش عبث، فيدفعهم الغضب إلى الدعوة لمظاهراتٍ عنيفة أو مواجهاتٍ دامية ظنًا منهم أنها السبيل للتغيير، لكن ما إن تسيل أول قطرة دم حتى تنقلب المطالب إلى لعنات، وتتحول المدن إلى ساحات خراب، وتغيب الدولة كما يغيب النور في ليلٍ مظلم لا فجر له.
—
ما الحرب الأهلية؟
الحرب الأهلية ليست حربًا بين جيوشٍ متقابلة على الحدود، بل هي حرب بين أبناء البيت الواحد.
هي أن يرفع الأخ السلاح في وجه أخيه، والجندي في وجه جاره، وأن يصبح كل شارع خندقًا، وكل بيتٍ ساحة حرب.
هي انهيار الثقة بين الناس، وضياع القانون، وتبدد الأمن، وتفكك مؤسسات الدولة من داخلها.
—
كيف تبدأ الحروب الأهلية؟
تبدأ دائمًا بشعارات الحرية والعدالة والكرامة، ثم تتحول إلى مطالب فئوية، ثم إلى مواجهات مع الشرطة، ثم إلى تخوينٍ متبادل بين أبناء الوطن الواحد.
وعندما تُكسر هيبة الدولة وتُفتح أبواب الفوضى، يتدخل الخارج، كلٌّ يبحث عن نصيبه في الكعكة المحترقة، فتصبح الأرض ملعبًا للمخابرات الأجنبية، والسلاح يُهرَّب عبر الحدود، والدم يُسكب على الطرقات، ويضيع صوت العقل في زحام الرصاص.
—
آثار المظاهرات المدمرة والاحتراب الأهلي
1. انهيار مؤسسات الدولة
حين تنفلت المظاهرات من السيطرة، أول ما يتصدع هو جهاز الأمن، ثم الجيش، ثم تتوقف الخدمات العامة: المستشفيات تُقفل، المدارس تُهجر، الكهرباء تُقطع، المياه تُلوث، والناس تقتل بعضها على رغيف الخبز.
2. انهيار الاقتصاد
رأس المال جبان.
الشركات تغلق أبوابها، المصانع تتوقف، السياحة تموت، الجنيه ينهار، والدولة تفقد قدرتها على دفع الرواتب.
يصبح الجائع أكثر جوعًا، والمريض بلا دواء، والطفل بلا تعليم، والكل يندم، لكن بعد فوات الأوان.
3. تمزق النسيج الاجتماعي
الحرب الأهلية تقتل الرحمة.
الجيران يتحولون إلى أعداء، والمذاهب والطوائف تُسلّح نفسها، وتُعاد كتابة التاريخ بأقلام الكراهية.
في الحروب الأهلية لا يوجد منتصر، الكل خاسر.
4. ضياع الأجيال
الطفل الذي يرى الدم كل يوم، يكبر وهو يكره الحياة.
المرأة التي تفقد زوجها، لا تعود كما كانت.
والشاب الذي يحمل السلاح، لا يستطيع أن يعيش بعد الحرب إلا بالعنف.
فتتحول أمة كاملة إلى جيل محطم.
5. تدخل القوى الخارجية
كل حرب أهلية تفتح الباب لتدخل الدول الكبرى تحت شعار “المساعدة الإنسانية” أو “حماية الأقليات”، ثم تتحول البلاد إلى ساحة نفوذ واقتسام، كما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن.
وتضيع السيادة كما تضيع الحجارة في الرمال.
—
الغلاء يُحتمل… أما الحرب فلا تُحتمل
إن الغلاء مهما اشتد، يبقى أهون من الحرب الأهلية.
فالغلاء يمكن أن يُعالج بالعمل والإنتاج والصبر، أما الحرب فتمحو كل شيء، وتجعل البلد أفقر من الفقر نفسه.
من رأى سوريا بعد دمشق الجميلة، أو اليمن بعد صنعاء الهادئة، يعلم أن الغلاء ليس شرًّا مطلقًا، وأن الاستقرار أغلى من الذهب.
—
رسالة إلى المصريين
يا أبناء النيل،
احمدوا الله أنكم ما زلتم تستيقظون على أذانٍ لا يُقاطع بصوت المدفع،
وتسيرون في شوارع فيها شرطة تحمي، وجيش يسهر، ومدارس تُفتح كل صباح.
قد تكون المعيشة ضيقة، نعم،
لكن البلد قائم، والمؤسسات تعمل، والمستقبل ممكن.
احذروا من الأصوات التي تدعو إلى الفوضى تحت غطاء الحرية، فكل نار تبدأ بشرارة، وكل حرب تبدأ بكلمة غضب.
—
خاتمة
إن الحفاظ على الدولة واجب وطني وديني،
ولا حرية في وطنٍ مهدوم، ولا كرامة في بلدٍ بلا مؤسسات.
فلتكن مطالب الإصلاح بالحكمة والعقل، لا بالدم والعنف.
ولنردد دائمًا:
“اللهم احفظ مصر من الفتنة ما ظهر منها وما بطن، واهدِ أهلها إلى الصبر والعمل والرجاء.”




