سياسة

الجيش والدين وممارسة السياسة

كيف يمارس الجيش والدين السياسة

هل يمكن لرجال الجيش أو لرجال الدين أن يمارسوا السياسة
بقلم خالد البنا
نعم يمكن لرجال الجيش ورجال الدين أن يمارسوا السياسة لأنهم في أصلهم مدنيون
فهم من الشعب ولذلك يمكنهم أن يمارسوا السياسة بعد أن يتخلوا عن عملهم
أو يحالوا للتقاعد ويمارسوا السياسة لأنهم مواطنون مدنيون لهم أن يعبروا عن آرائهم كأي مواطن عادي
ونعم، هذا الطرح له أساس علمي وسياسي وتاريخي قوي، وهو يدخل ضمن ما تسميه العلوم السياسية الحديثة بـ مبدأ الفصل بين السلطة الوظيفية والسلطة السياسية، أو أحيانًا تحييد مؤسسات القوة والرمز عن الصراع الحزبي.
الفكرة التي نطرحها ليست جديدة، بل هي من صلب تطور الدولة الحديثة منذ القرن الثامن عشر.

أولًالماذا يُطلب من رجل الجيش أن يخلع بزته قبل السياسة
التاريخ يقول إن الجيش هو مؤسسة احتكار القوة.
منذ أيام نابليون بونابرت، كان الخطر واضحًا
حين يدخل رجل الجيش السياسة وهو ما يزال ممسكًا بالسلاح، تتحول الدولة من دولة قانون إلى دولة قوة
لذلك وضعت الديمقراطيات الحديثة قاعدة
رجل الجيش يمكنه أن يحكم، لكن بعد أن يصبح مدنيًا.وهذا ما حدث مع الجنرال أيزنهاور كان قائد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ثم تقاعد ثم خاض غمار الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونجح فيها وصار رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية بخلفية عسكرية
الجنرال شارل ديجول قائد عسكري فرنسي وهو مؤسس الجمهورية الخامسة بعد انتقاله للسياسة المدنية.
جورج دبليو بوش خدم طيارًا في البحرية الأمريكية في الحرب، لكنه دخل السياسة كمواطن لا كضابط.
فالسبب واضح لأن المواطن حين يصوّت لضابط في الخدمة قد يخاف سلطته أو ينجذب لهيبته العسكرية، فيختل ميزان الحرية.

ثانيًا هل ينطبق هذا على رجال الدين
هنا نصل إلى النقطة الأكثر حساسية.
رجل الدين أيضًا يملك نوعًا آخر من السلطة ليس السلاح، بل الشرعية الرمزية والقداسة الأخلاقية.وهذا أخطر أحيانًا.
الفيلسوف ماكس فيبر سمّى هذا
السلطة الكاريزمية.الإمام في المسجد، أو القسيس في الكنيسة، حين يطلب أصوات الناس، قد لا يصوّت له الناس اقتناعًا ببرنامجه، بل خوفًا من مخالفة الدين أو رغبة في نيل البركة.وهنا يصبح الدين هو أداة تعبئة سياسية.
ولهذا عرفت أوروبا بعد حروب الدين الطويلة مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة
وهو المبدأ الذي ترسخ بقوة بعد الثورة الفرنسية.
ثالثًا هل هذا مطبق تاريخيًا
نعم، بصور مختلفة.
في بعض الدول
القاضي إذا ترشح، يستقيل.
الضابط إذا ترشح، يستقيل.
الشرطي إذا ترشح، يستقيل.
لأن وظائفهم تمنحهم نفوذًا على الناس.
والمنطق نفسه يمكن أن يمتد إلى رجل الدين.
وهذا ما ناقشه علماء السياسة تحت مفهوم
حياد المؤسسات
أي أن المؤسسات التي تمثل الجميع لا يجوز أن تتحول إلى ماكينة انتخابية.

رابعًا إن الوطن أقدم من الحزب، وأبقى من الجماعة، وأوسع من العقيدة الخاصة.
فإذا صعد رجل الجيش إلى الحكم ببزته، حمل الوطن إلى الثكنة العسكرية فالوطن ليس معسكرا يتلقى الأوامر فيطيع لكنه أوسع من الجيش وأوسع من الدين فالوطن هو البيت الذي يتسع للجميع فيخرج منه الجيش والشرطة والدين الإسلامي والدين المسيحي فكلها فروع كثيرة لشجرة ضخمة جذورها في الأرض وفروعها في السماء
فيجب أن نسقي هذه الشجرة بالحب والإخاء
المساواة بين جميع الفروع
وهذا مبدأ أساسي من مباديء الدين الإسلامي العظيم
أن تترك أحوال الناس الشخصية لعقادئهم الدينية
فلا يتدخل الحاكم في شئون الكنيسة ولا
لأحكامها الدينية
وهذا ينطبق على. كافة الأديان التي تعيش في
مجتمع مسلم
وهذا هو جوهر الحياة المدنية
وإذا صعد رجل الدين إلى الحكم بمنبره، حمل الوطن إلى المحراب.
والوطن لا يُدار بالبندقية ولا بالموعظة، بل بالعقد الاجتماعي بين الناس.
مصر يأيها السادة كيان حضاري سابق على التنظيمات السياسية والدينية.

خامسًا هل هذا يعني إقصاء الجيش أو الدين
لا.وهنا نقطة مهمة.
ليس المقصود منع رجل الجيش أو رجل الدين من العمل السياسي.بل المقصود نزع الامتياز الوظيفي قبل الدخول في المنافسة.
يعني رجل الجيش يصبح مواطنًا.
الشيخ يصبح مواطنًا.
القس يصبح مواطنًا.
ثم يتنافسون على قدم المساواة.
هذا هو جوهر الدولة الحديثة.
وهذا هو جوهر الدين الإسلامي الحنيف

الخلاصة
القاعدة العلمية السياسية تقول
من يملك سلطة فوق المجتمع سلاحًا أو قداسة أو قضاءً ينبغي أن يخلع هذه السلطة قبل أن يطلب حكم المجتمع.
وهذه ليست خصومة مع الجيش أو الدين، بل حماية لهم وللدولة معًا.
لأن المؤسسة حين تدخل الصراع السياسي، تفقد حيادها،
وحين تفقد حيادها، تفقد جزءًا من شرعيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى