
حين تُهان الخبرة أمام الكاميرات
بقلم خالد البنا
هل أصبح الموظف في بلادنا مجرد كومبارس في مشهد السلطةالمشكلة في بلادنا ليست فقط في الفقرولا في الديون ولا حتى في الزحام الذي يلتهم أعصاب الناس كما تلتهم النار ورق الخريف.المشكلة الأعمق والأخطر هي تحطيم قيمة الإنسان نفسه.ذلك الموظف أو المهندس أو العامل الذي يقضي عمره بينالخرائط،والأسمنت
،والغبار،والملفات،والحر،وضغط العمل…
ثم يأتي يوم يُختزل فيه كله إلى مشهد إهانة علنية أمام الكاميرات.وكأن الدولة لم تعد ترى في موظفيهاعقولًا تبني بل مجرد أدوات تنفيذ تخاف وتطيع وتصمت.
1.الدولة التي تبنى بالخوف
قد يبني الخوف طريقًا لكنه لا يبني وطنًا.
فالطريق يحتاج هندسة،وتخطيطًا،وعلمًا،
ونقاشًا،واحترامًا متبادلًا.أما ثقافة الصراخ والإهانة العلنية، فهي قد تنتج موظفًا مذعورًا… لكنها لا تنتج عقلًا مبدعًا.إن الأمم الحديثة لا تقوم على:مين يخاف أكتر بل على مين يفكر أفضل
2. الكاميرا التي تقتل الكرامة
أخطر ما في الإهانات العلنية أنها لا تُوجَّه لفرد واحد فقط بل لكل من يشاهد.فحين يرى الموظف المصري مهندسًا يُحرج،أو طبيبًا يُهان،
أو معلمًا يُكسر أمام الناس، فإن الرسالة الخفية التي تصل للمجتمع كله هي أنت صغير مهما تعلمت.وهنا يبدأ انهيار الكرامة المهنية.
الفرق بين الحزم والإهانة
لا أحد يقول إن المسؤول لا يراجع أو يحاسب.
المحاسبة ضرورة.لكن هناك فرقًا هائلًا بين
الحزم الإداري، وبين كسر الإنسان علنًا.
الدولة القوية لا تحتاج إلى استعراض القوة على موظفيها أمام العدسات. لأن الهيبة الحقيقية تأتي من النظام،والكفاءة،واحترام المؤسسات.
لا من رفع الصوت.
3. لماذا تخاف المؤسسات من النقد الداخلي
لأن بعض أنظمتنا الإدارية تربّت طويلًا على فكرة المسؤول لا يخطئ.ولهذا يصبح أي نقاش أو شرح مختلف وكأنه تحدٍ للسلطة نفسها.بينما الدول المتقدمة تقوم أصلًا على الحوار الفني،وتبادل الرأي،واحترام التخصص.
فالمهندس ليس كومبارسًا بل صاحب علم.
4. أزمة الإدارة في الشرق
لدينا مشكلة قديمةالخلط بين الإدارة والزعامة.
المسؤول عندنا أحيانًا لا يريد فقط أن يدير بل يريد أن يبدوالأقوى،والأكثر معرفة،وصاحب الكلمة الأخيرة دائمًا.حتى لو كان أمامه متخصص قضى عمره في المجال.ولهذا تضيع الخبرة أحيانًا وسط ضجيج الاستعراض.
5. الطرق لا تُبنى بالإهانة
قد تُبنى الكباري بسرعة لكن الإنسان إذا انكسر من الداخل، فلن يبني شيئًا بإخلاص.
المهندس الذي يشعر بالاحترام:
يبدع،ويغامر بالفكرة،ويقترح الحلول.
أما الذي يعمل تحت الخوف الدائم… فأقصى طموحه يصبح أستر نفسي وخلاص.
وهنا تموت روح العمل.
6. ما الذي يريده المواطن
المواطن لا يريد مشاهد إذلال بل يريد
طريقًا جيدًا،وخدمة محترمة،وإدارة كفؤة،
ودولة تحترم أبناءها. فالناس لا تنبهر بالصوت العالي طويلًا… لكنها تحترم المؤسسة التي تعمل بعقل.
كلمة أخيرة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن أن يتحول أصحاب العلم والخبرة فيه إلى موظفين خائفين.لأن الحضارات لا تبنيها الأوامر وحدها… بل يبنيها الإنسان الذي يشعر أن علمه له قيمة،
وكرامته محفوظة،وصوته مسموع.
أما الإهانة… فقد تصنع صمتًا مؤقتًا.
لكنها لا تصنع نهضة أبدًا.




