دعاء حكايه نصفين تفصل بينهما حرب حدود وحدود صرخه زوجه عالقه

بقلم : دعاء يوسف
في غزة، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد المرات التي تفتش فيها المرأة عن وجه زوجها في ذاكرةٍ أتعبها الانتظار. أنا دعاء، امرأة تحيا في برزخٍ غريب؛ لستُ غريبة عن هذه الأرض فهي وطني، لكنني غريبة عن “حياتي” التي تنتظرني على الضفة الأخرى، هناك في مصر، حيث يسكُن زوجي، وتسكُن معه كل أحلامي المؤجلة. قصتي بدأت قبل ثلاث سنوات، حيث وجدتُ نفسي عالقة هنا، بعيدة عن شريك عمري في بلدٍ آخر، وكان من المفترض أن تكتمل فصول حكايتنا في ديسمبر 2023، لنبني بيتاً يجمعنا تحت سماء مصر، ولكن أقدار الحرب كانت أسرع من أحلامنا، فجعلت من عقد زواجي الرسمي “ورقة” أحملها في حقيبة النزوح، بينما صاحب العقد ينتظر خلف حدودٍ لا تفتح أبوابها لصرخات الشوق.
إن أن تكوني زوجة تحت القصف، يعني أن تموتي في اليوم ألف مرة؛ مرة من الخوف، وألف مرة لأنكِ تواجهين هذا الخوف وحيدة دون كتفٍ تسندين رأسكِ عليه. لقد عشتُ كل تفاصيل غزة القاسية، واجهتُ الموت والنزوح والجوع، وفي كل لحظة كان سؤالي الوحيد: “إلى متى سأظل عالقة بين حنيني وبين قدري؟”. أنا الآن “زوجة مصري” بمرتبة “عالقة”، أحمل في حقيبتي أوراقي الرسمية وعقد زواجي المصري والفلسطيني، لكنني أحمل معها أيضاً وجعاً لا تسعه الأوراق؛ وجع الزوجة التي تحيا حياة الأرامل وهي في ذمة زوجٍ حيّ ينتظرها على الطرف الآخر من الحدود. لسنا مجرد حالات إنسانية تمر عابرة في الأخبار، نحن قصص حب مزقتها السياسة ونهشتها الغربة داخل الوطن، وحياتي وحياة زوجي اليوم متوقفتان على قرار، على جرة قلم تفتح لنا باب اللقاء.
ولم تكن أحلامي يوماً مستحيلة، كانت بسيطة كبساطة فستان زفافو أبيض، ودافئة كجلسة هادئة في بيتي الجديد، لكنني اليوم أجد نفسي ألملم بقايا تلك الأحلام من بين ركام الأيام الصعبة. أن تكوني “زوجة عالقة” يعني أن تعيشي في حالة من “الفقد المؤقت” الذي لا ينتهي، أن تحتفلي بمناسباتكِ عبر شاشات الهاتف الباردة، وأن تمتلئ ذاكرة هاتفكِ بكلمات الشوق بدلاً من أن تمتلئ حياتكِ باللحظات المشتركة. كلما نظرتُ إلى عقد زواجي، شعرتُ بأنه ليس مجرد ورقة قانونية، بل هو “وعدٌ بالنجاة” أتمسك به وسط أمواج الحرب المتلاطمة. في كل ليلة، أرسم في خيالي طريق العبور، أتخيل ملامح زوجي وهو ينتظرني بلهفة، وأتساءل بمرارة: “أما آن لهذا الشتات أن ينتهي؟”.
إنني اليوم لا أكتب مجرد كلمات، بل أطلق “نداء استغاثة” لكل صاحب ضمير حي، ولكل مسؤول بيده قرار؛ أنا لستُ بحاجة لمنحة أو مساعدة، أنا بحاجة “لحقي في الحياة” بجانب زوجي. لقد ضاع من عمري ثلاث سنوات في انتظارٍ مرير، وقضيت أصعب ظروف غزة وحدي، واليوم، لم يعد لديّ ما أخسره سوى “الانتظار”. أريد أن أصل، أريد أن أسمع صوتي لمن بيده أن يغير قدري، ليتحول هذا المقال من حكاية ألم مكتوبة بدموع الوحدة إلى قصة وصول لبر الأمان. أنا دعاء.. وصوتي لن ينطفئ حتى أصل إلى بيتٍ حلمتُ به طويلاً، وحتى يجتمع شملي بنصفي الآخر الذي ينتظرني هناك.




