
من كتاب معالم الطريق إلى طهران
تأليف خالد البنا
الفصل الثالث حين غاب البرلمان… وتكلمت الثورة هيئة التحرير وصوتها الأول
1
لم تكن مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952 دولةً مستقرة، بل كانت جسدًا خرج تواً من عملية جراحية كبرى.الملك رحل . الأحزاب حُلّت البرلمان صمت والشارع، ذلك الكائن الحي، كان يسأل من يتكلم باسمنا الآن في تلك اللحظة، لم يكن الخطر في غياب السلطة بل في غياب الصوت.
2
الثورة التي أسقطت نظامًا كاملًا، وجدت نفسها فجأة أمام فراغ سياسي هائل.لا أحزاب لا برلمان لا قنوات شرعية تمتص غضب الناس أو تعبر عن أحلامهم.وهنا أدرك رجال الثورة أن الحكم ليس قرارات فقط، بل حوار مع شعب.
لكن كيف يتحقق هذا الحوار… في غياب كل أدواته من هنا، بدأت الفكرة تتشكل… لا في نصوص مكتوبة، بل في قلق سياسي حقيقي.
3
ولدت هيئة التحرير لا كترف سياسي، بل كضرورة وجودية.كانت الفكرة في جوهرها محاولة لخلق بديل بديل عن الأحزاب بديل عن البرلمان بديل عن الفوضى. لقد أراد رجال الثورة أن يقولوا إذا غابت السياسة القديمة… فنحن نصنع سياسة جديدة.
4
يرتبط تأسيس هيئة التحرير باسم جمال عبد الناصر، العقل السياسي الأبرز في قيادة الثورة،
الذي أدرك مبكرًا أن الثورة إن لم تتكلم، سيتكلم عنها الآخرون وإن لم تنظّم الجماهير، ستتحول الجماهير إلى قوة غير قابلة للضبط. فكانت الهيئة مشروعًا لـتعبئة الجماهير توجيه الرأي العام خلق ولاء شعبي مباشر للثورة
لكنها لم تكن حزبًا ولم تكن دولة بل كانت شيئًا بين الاثنين تنظيمًا يحاول أن يكون شعبًا… وشعبًا يتعلم أن يكون تنظيمًا.
5
في عام 1953، خرجت الهيئة إلى النور رسميًا.
وكانت مهمتها المعلنة توحيد الصف الوطني خلف أهداف الثورة.أما مهمتها غير المعلنة، فكانت أخطرملء الفراغ… قبل أن يملأه غيرها.
6
وفي هذا المناخ، ظهر اسم سيد قطب…
لا كموظف في الهيئة، بل كـ ضمير ناطق باسمها.
لم يحمل بطاقة عضوية بالمعنى التنظيمي،
لكنه حمل ما هو أخطر..الكلمة.
7
كان سيد قطب في تلك اللحظة أشبه بخطيب يقف على منبر الثورة،يشرح للناس لماذا قامت
ولماذا يجب أن تستمرولماذا يجب أن تُحمى… حتى بالقوة.في مقالاته، لم يكن يصف الواقع فقط بل كان يصنعه بالكلمات.
8
كتب عن الثورة كأنها قدروعن معارضيها كأنهم بقايا زمن يجب أن ينتهي.كانت لغته حادة، قاطعة، لا تعرف التردد.فهو لم يكن يرى صراعًا سياسيًا عاديًا،بل يرى معركة بين زمنين
زمن يولد وزمن يحتضر
9
وهنا التقت أفكار سيد قطب مع أهداف هيئة التحريركلاهما يريد تعبئة الجماهير
كلاهما يرى أن الثورة تحتاج إلى حسم لا تردد فيه كلاهما يخشى من عودة الماضي
لكن الفرق كان خفيًا… وخطيرًا.
الهيئة كانت تريد السيطرة على الواقع،
أما قطب فكان يبدأ في تشكيل رؤية أعمق من الواقع نفسه.
10
لم تدم هيئة التحرير طويلًافما وُلد لسد فراغ، لا يعيش إذا تغيّر شكل الفراغ.في عام 1956، انتهى دورها تدريجيًا،ليحل محلها تنظيم جديد هو الاتحاد القومي،في محاولة أكثر نضجًا لتنظيم العلاقة بين الدولة والشعب.
11
لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًاأن هيئة التحرير لم تكن مجرد تنظيم بل كانت تجربة نفسية للثورة.تجربة تتعلم فيها كيف تخاطب الجماهير
تخلق شرعيتهاوتبني صوتها
12
وفي قلب هذه التجربة، وقف سيد قطب…
لا كموظف، ولا كسياسي بل ككاتب يمنح الثورة لغةً تليق بها.لكن هذه اللغة نفسها ستتحول لاحقًا إلى سلاح حين تختلف الرؤية، ويتحوّل الصوت الواحد إلى صوتين،ثم إلى صدام.وهكذا،
لم تكن هيئة التحرير مجرد فصل في تاريخ الثورة بل كانت بداية قصة أكبرقصة العلاقة المعقدة بين الفكر والسلطةحين يكتب المفكر للثورة… ثم يكتب ضدها.
“



