آداب وفنون

كتاب الزينة

تأليف خالد البنا

كتاب الزينة
تأليف خالد البنا
الفصل الأول
الزينة
الفرق بين الطموح والزينة
31
قد يتوقف القارئ هنا قليلًا، وربما يسأل سؤالًا مشروعًاإذا كانت الزينة بهذه الصورة التي تحدثنا عنها،فهل يعني ذلك أن الإنسان يجب أن يترك الطموح هل يجب أن يتخلى عن الرغبة في التقدم أو أن يكتفي بالقليل ولا يسعى إلى المزيدهذا السؤال يبدو منطقيًا، لكنه يقوم على خلطٍ دقيق بين أمرين مختلفين:الطموح… والزينة.
32
فالطموح قوة عظيمة في الإنسان.به بنى المدن،
وبه اكتشف أسرار الطبيعة،وبه تجاوز حدود الأرض نفسها.لو لم يكن الإنسان طموحًا، لبقي يعيش حياة بدائية بسيطة.ما كانت الطرق ستُشق،ولا السفن ستعبر البحار،ولا الطائرات ستشق السماء.إن الطموح هو الذي يدفع الإنسان إلى أن يقول هناك شيء أفضل يمكن أن نصنعه.
33
لكن الطموح في جوهره ليس بحثًا عن الزينة.
إنه بحث عن الإمكان.بحث عن السؤال الكبير الذي يرافق الإنسان منذ فجر التاريخ
ماذا يمكن أن نفعل أكثر مما فعلنا
حين نظر الإنسان إلى الطيور وهي تطير، لم يفكر في الزينة،بل فكر في الفكرة.
كيف يمكن لجسد أثقل من الهواء أن يطير؟
وهكذا بدأت رحلة طويلة من التفكير والتجربة حتى ظهرت الطائرة.
34
الأمر نفسه حدث مع كل اختراع عظيم.
لم يولد من حب المظاهر،بل من حب الفهم.
العلماء الذين قضوا حياتهم في المختبرات لم يفعلوا ذلك من أجل التفاخر،بل لأن عقولهم كانت مشغولة بأسئلة لا تتركهم.كانوا يريدون أن يعرفوا.والرغبة في المعرفة هي واحدة من أعمق قوى الإنسان.
35
المشكلة تبدأ حين ينتقل مركز الثقل من الفكرة إلى الصورة.حين يصبح الهدف ليس الاختراع،
بل الشهرة.ليس العمل،بل الظهور.ليس الإنجاز،
بل المقارنة.عند هذه النقطة يبدأ الطموح في التحول تدريجيًا إلى زينة.
36
الفرق بين الاثنين دقيق، لكنه حاسم.
الطموح الحقيقي يجعل الإنسان يعمل حتى لو لم يره أحد.أما الزينة، فهي تحتاج دائمًا إلى عين أخرى تنظر.الطموح يرضى بالإنجاز نفسه.
أما الزينة فلا ترضى إلا بالإعجاب.
ولهذا قد يعمل شخصان العمل نفسه،
لكن الدافع في داخل كل واحد منهما مختلف تمامًا.
37
الأول يعمل لأنه يحب ما يفعل.يحب الفكرة،
يحب الاكتشاف،يحب الشعور بأنه يضيف شيئًا جديدًا إلى العالم.أما الثاني، فيعمل لأن النجاح يمنحه صورة جميلة أمام الناس.كلاهما قد يصل إلى النتيجة نفسها،لكن الرحلة في الداخل مختلفة.
38
وحين تصبح الزينة هي المحرك الأساسي، يتغير شكل الحياة.بدل أن يكون العمل طريقًا للمعنى،
يصبح طريقًا للعرض.وبدل أن يكون الإنجاز هدفًا،يصبح وسيلة للظهور.وهنا يبدأ الإنسان في الشعور بالتعب،لأنه لم يعد يعمل من أجل ما يحب،بل من أجل الصورة التي يجب أن يحافظ عليها.
الصفحة 39
الحضارة نفسها تعلمنا هذا الدرس.فأعظم الإنجازات لم تولد من الرغبة في التفاخر،
بل من شغف الإنسان بالفهم والتجربة.
لكن بعد أن تتحقق الإنجازات، تأتي الزينة.
تأتي الشهرة،والثروة،والبريق الذي يحيط بالنجاح.الزينة إذن ليست أصل الإنجاز،
بل ظله.
40
ولهذا فإن المشكلة ليست في الطموح.
المشكلة في أن ينسى الإنسان الفرق بين الجوهر واللمعان.يمكنه أن يعمل،أن ينجح،
أن يبني،أن يبدع.لكن إذا جعل الزينة مركز حياته، سيجد نفسه يومًا ما يركض خلف أشياء تلمع كثيرًا… لكنها لا تمتلئ بالمعنى.وحين يدرك هذه الحقيقة، يبدأ في إعادة ترتيب علاقته بالحياة.لا يترك الطموح،لكنه يحرره من عبودية الزينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى