مقالات الرأي

الروح التي تعيدك الي نفسك

بقلم كاتب الصعيد/حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون الدولية والتاريخية
في زحام هذا العالم، نضيع أكثر مما نعترف. نرتدي وجوهًا لا تشبهنا، ونبتسم في اللحظات التي نحتاج فيها إلى البكاء، ونتظاهر بالقوة بينما تتآكل أرواحنا بصمت. نمضي في الطرقات الطويلة محمّلين بتوقعات الآخرين، حتى نصل إلى لحظةٍ لا نعرف فيها: من نحن حقًا؟
ثم… تظهر تلك الروح.
ليست بالضرورة صاخبة، ولا استثنائية في ملامحها، ولا بطلة حكايةٍ درامية. قد تكون شخصًا عابرًا في التوقيت، عميقًا في الأثر. تنظر إليك كما لو أنك لست بحاجة إلى شرح، كما لو أنها تقرأ تعبك من بين الكلمات، وتفهم صمتك أكثر من حديثك. فجأة، تجد نفسك أقل تكلّفًا، أقل حذرًا، أقل خوفًا من أن تكون على حقيقتك.
الروح التي تعيدك إلى نفسك لا تعظك، ولا تحاكمك، ولا تحاول إصلاحك كما لو أنك مشروعٌ معطّل. هي فقط تمنحك مساحة آمنة لتكون إنسانًا. تسمح لك أن تعترف بضعفك دون أن تشعر بالعار، وأن تتحدث عن خوفك دون أن تُتَّهم بالهشاشة، وأن تحلم دون أن يُسخَر منك.
في حضورها، يحدث أمرٌ استثنائي: تتصالح مع ذاتك. تبدأ برؤية جمالٍ في تفاصيل كنت تخجل منها. تدرك أن حساسيتك ليست عبئًا، بل نعمة. وأن دمعتك ليست دليل انكسار، بل دليل حياة. وأن قلبك، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادرًا على النبض بالحب.
كم من الناس مرّوا في حياتنا ولم يتركوا سوى ضجيج الذكريات؟ وكم منهم غيّروا اتجاهنا بالكامل دون أن يقصدوا؟ الفرق أن بعض الأرواح تستهلكك وأخرى تعيد بناءك. بعضهم يذكّرك بأخطائك، وآخرون يذكّرونك بقيمتك.
الروح التي تعيدك إلى نفسك لا تصنع منك نسخةً عنها، ولا تربطك بها بسلاسل الامتنان. بل تمنحك مفاتيحك التي نسيت مكانها. تضيء لك الزوايا المعتمة، ثم تبتعد خطوة لتراك تمشي وحدك بثقة أكبر. هي لا تحتاج أن تبقى في الواجهة؛ يكفيها أنك استعدت نفسك.
ولعلّ أعظم ما في هذه الأرواح أنها نادرة. لا تُشترى، ولا تُصطنع، ولا تُجامل. حضورها صدق، وكلماتها دفء، وصمتها أمان. وإن حالفك الحظ ووجدت واحدةً منها، فاعلم أنك لم تكسب شخصًا فحسب، بل استعدت ذاتك التي كادت تضيع.
في نهاية المطاف، نحن لا نحتاج إلى من يصفّق لنا حين ننجح، بقدر حاجتنا إلى من يمسك بأيدينا حين نتعثر. لا نحتاج إلى من يُعجب بصورتنا المثالية، بل إلى من يحبّنا في فوضانا. فهناك فرقٌ شاسع بين من يعيش معك، ومن يعيدك إلى نفسك.
فإن صادفت تلك الروح يومًا، تمسّك بها بامتنان
وإن استطعت، كن أنت يومًا تلك الروح في حياة أحدهم.

مقالات ذات صلة

Comments (0)

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى