
الدين حياةٌ لا استعراض
بقلم خالد البنا
بلغةٍ لا تُجامِل، وبقلمٍ يعرف أن الكلمة مسؤولية، لا زينةالدين أيُّ دين ليس معطفًا يُخلع عند تغيّر الطقس،ولا بطاقةً تُستبدل في طابور المصالح،ولا خبرًا عابرًا يصلح للعناوين الصاخبة.
الدين حياة كاملةهو الذاكرة الأولى،والصوت الذي يتهجّى به الإنسان معنى الوجود،هو الصلاة التي تُقال همسًا،والصوم الذي يُحتمل بصبر،والمعبد الذي يأوي الروح،والجنة التي تُرجى،والنار التي تُخشى،هو الأهل، والجيران، والأصدقاء،وهو الزوجة والأبناء،وهو القبر كما هو المهد.من يتصور أن الإنسان يخرج من دينه كما يخرج من غرفة،أو يدخل دينًا آخر كما يدخل مسرحًا،لم يفهم الإنسان،ولم يقرأ التاريخ،
ولم يعرف معنى المجتمع.والتاريخ لمن أراد أن يتعلّم صريح لا لبس فيه.أقرب الناس إلى النبي، عمه،وقف على حافة الموت،وسمع الدعوة واضحة جلية،ثم اختار أن يبقى حيث نشأ،
حيث تاريخه واسمه ومكانه بين قومه.لم يُشهَّر به،ولم يُسَبّ،ولم يُحوَّل موقفه إلى مهرجان أو فضيحة.احترم التاريخ اختياره،لأن الدين يومها كان حياة لا دعاية.فمن أين جاء هذا الشغف المرضي بالاحتفال بتحوّل إنسان من دين إلى دين.هل دخول فرد يزيد دينًا عظمةوهل خروج فرد يُنقص دينًا حقًا أم أننا نبحث عن نصرٍ وهمي،نُعلّقه على رقبة إنسان،ونصفّق
إن الإعلان الصاخب عن ترك دين واعتناق آخر،
في مجتمعاتٍ مركّبة، حسّاسة، مشحونة بالذاكرة والوجع،ليس فعل إيمان،بل فعل تهوّر.
هو استدعاء للفتنة،وفتحٌ لأبواب ليلٍ مظلم،
وتحريك لمياه راكدة تخبّئ في قاعها دمًا وخوفًا وشكوكًا.الإسلام كدين وكحضارة لم يكن يومًا محتاجًا إلى هذا الضجيج.اتّسع لليهودي والمسيحي والمجوسي والفيلسوف والمتكلّم.
وعندما بلغت دولته الآفاق،لم تكن دولة صوت واحد ولا عقل واحد.تجاورت الأديان،وتصارعت الأفكار لا السكاكين،وظهر علم الكلام،
وازدهرت الفلسفة،وكان الاختلاف جزءًا من القوة،لا علامة ضعف.من أراد أن يعتنق دينًا، فليعتنقه في صمتٍ كريم.فالإيمان علاقة بين الإنسان وربه،لابيانًاسياسيًا،ولااحتفالًااجتماعيًا،
ولا مادةً للفرجة.احترام الدين لا يكون بالصخب،
بل بالحكمة.ولا يكون بإحراج الناس في معتقداتهم،بل بصيانة السلم بين قلوبهم.الدين حياة…ومن لا يفهم ذلك،يحوّله دون أن يدري
إلى أداة خراب.
…ولنا في النموذج السوداني عبرة لا تُجامل أحدًاولمن لا يزال يظن أن تحويل الدين إلى شعار سياسي،أو إلى أداة تعبئة،أو إلى راية يُلوَّح بها في وجه المجتمع،فإن النموذج السوداني يقف شاهدًا دامغًا، لا يحتاج إلى خطابة.
في عهد عمر البشير،رُفع شعار تطبيق الإسلام لا باعتباره قيمة روحية أو أخلاقية،بل باعتباره برنامج حكم،وسلاح شرعية،وأداة إقصاء.
تحوّل الدين من معنى جامعإلى راية اصطفاف
هذا معنا،وهذا ضدنا.فماذا كانت النتيجة
انقسم الوطن الواحد.لم يحتمل السودان أن يُدار بمنطق دين الدولة ..دين السلطة
ولا بمنطق الإيمان يُقاس بالولاء السياسي
انفصل الجنوب،ولم يلتئم الجرح.ثم انقسم المقسوم،وتفككت الهوية الجامعة،ودخلت البلاد في دوّامةمن الحروب الأهلية،والصراعات القبلية،والاقتتال الذي لا راية لهإلا السلاح.
وهنا السؤال الذي لا يحب البعض سماعه
هل زاد الإسلام قوة في السودان
أم تحوّل ظلمًا إلى عنوان صراع
هل خرج الناس أكثر إيمانًاأم أكثر خوفًا
أم أكثر شكًّا في كل خطاب يُنطق باسم الدين؟
الدين، عندما يُختزل في سلطة،
يخسر قدسيته.وعندما يُستخدم لتصنيف المواطنين،يفقد روحه.
وعندما يُقدَّم باعتباره مشروع دولة قهري،
ينقلب رغمًا عنه إلى وقود انقسام.
وهذا بالضبط ما نحذّر منه في ظاهرة الاحتفال الصاخب بتحوّل إنسان من دين إلى دين.
المنطق واحد،وإن اختلف الشكل تحويل الاعتقاد الشخصي إلى استعراض عام،
وتحويل الإيمان إلى مباراة جماهيرية.
ما حدث في السودان لم يبدأ بالمدافع،
بل بالخطاب.باللغة التي تقول نحن أصحاب الحقيقة الكاملةوغيرنا ناقص الإيمان والدين معنا، ومن ليس معنا فليبحث له عن مكان آخروهكذا…يبدأ الانقسام.الإسلام كدين أكبر من دولة،وأوسع من حزب،وأعمق من شعار.
وحين نصرّ على تحويله إلى أداة فرز اجتماعي
أو انتصار رمزي على الآخر،نكون من حيث لا ندري نمهّد الطريق لنفس المأساة،ولو بعد حين.
الدين حياة.والحياة لا تُدار بالهتاف،بل بالحكمة.



