مقالات الرأي

مصر المديونة

وأبناؤها الأثرياء

 

 

مصر المديونة… وأبناؤها الأثرياء

بقلم خالد البنا

ليست مأساة مصر في الديون،فالدَّين عارض يمرّ على الأمم كما تمر الحمى على الجسد،

إنما المأساة الحقيقية في المفارقة الأخلاقية

التي تجعل وطنًا مديونًاوأبناءه ينامون فوق الذهب.نعم…الشعب المصري يملك أطنانًا من الذهب المخزَّن في البيوت،حُليًّا لا تُحصى، وسبائك لا تُرى،كنزًا صامتًا يخاف الضوء أكثر مما يخاف الفقر.ويملك .. في الوقت نفسه ..

مليارات الدولارات مودعة في بنوك الخارج

في لندن، وباريس،وعلى رأس القائمة..سويسرا

حيث المال ينام مطمئنًابينما الوطن يسهر قلقًا.

ثم نكتشف .أن تريليونات الجنيهات المصرية

راكدة في حسابات مصرفيةلا تعمل، لا تُنتج، لا تُنقذكأنها أموال وُلدت لتختبئ لا لتشارك.

المعادلة الصادمةلو صدقت النوايا،ولو استيقظ الضمير الجمعي ساعة واحدة فقط،لأمكن لمصر

أن تسدّد ديونها الخارجيةفي ساعة… لا أكثر.

بل – وللمفارقة التي تكاد تكون ساخرة –

لأصبحت قادرة على إقراض أمريكا ذاتها

ومعها الصين لو كان المال يُقاس بالقدرة لا بالقرار.لكن المال هنا موجود

والقرار غائب والضمير في إجازة مفتوحة.

تشبيه لا يضحك الشعب المصري، في هذه الحكاية،يشبه أبناءً في غنى فاحش

وأبوهم.. الوطن ..غارق في الديون.

الأب يطرق الباب متعبًا: ساعدوني، الدين يخنقني.فيردّ الأبناء،ببرود لا يخلو من شفقة مصطنعة.. منين يا لمبي كان على عيني… بس الظروف أي ظروف والخزائن ممتلئةوأي فقر

والذهب يُوزن لا يُعد

حين يصبح الوطن فكرة… لا مسؤولية

هنا بيت القصيد.المشكلة ليست في المال،

ولا في الشعب بوصفه فقيرًا،

بل في تحوّل الوطن إلى فكرة رومانسية

نحبها في الأغاني ونرفعها في الشعارات

ثم نتهرب منها حين تطلب ثمنًا.الوطن عندنا

شيء نغضب له لا شيء نتحمّل لأجله.

نبكي عليه لكن لا نشاركه.الخوف… لا البخل

ولنكن منصفين..كثيرون لا يمنعون أموالهم عن مصر بخلًا بل خوفًا.خوف من الغد،

خوف من السياسة،خوف من الدولة،

خوف من أن يضع ماله في الأرض

فلا يعرف هل يعود شجرة أم يضيع بذرة.

وهذا الخوف .مهما تفهّمناه لا يُبرّئ النتيجة.

فالنتيجة واحدة..وطن يدفع الثمن وحده.

كيف نطلب من الدولة أن تكون وطنًا

ونحن لا نعامل الوطن كأب …الأمم لا تسقط حين تفلس بل حين يفقد أبناؤها الإحساس بالشراكة.مصر ليست فقيرة.مصر مُتروكة.

والمال ليس مفقودًا،بل مفصولًا عن الضمير.

وحين يعود المال إلى معناه الأخلاقي،

لا إلى رقمه البنكي،ساعتها فقط سنعرف أن الديون لم تكن المشكلة…بل كانت العرض.

ليست هذه مقالة انفعال،ولا خطبة عاطفية في وطنٍ مجروح،بل محاولة لفهم كيف تجتمع الديون مع الثراء في المكان نفسه دون أن يتصادما،كأنهما يعيشان في بلدين مختلفين.

الدليل الأول: حين تتحول الشوارع إلى معارض عالمية يكفي أن تمرّ في شوارع القاهرة الجديدة،أو الشيخ زايد،أو الساحل الشمالي في الصيف،لتدرك أن الحديث عن الفقر حديث ناقص.سيارات بملايين الدولارات

تسير بهدوء لا يعرفه الفقراء:لامبورجيني

فيراري رولز رويس بنتلي سيارات تُشترى في العالم كـ ترف استثنائي وتُقاد هنا كأنها أمر اعتيادي.ليست سيارة واحدة ولا اثنتين،

بل مشهد يومي متكرر لا يمكن تفسيره برواتب ولا بقروض ولا حتى بالمبالغة.السؤال البسيط الذي لا يُطرح..من أين جاء هذا المال…ولماذا لا يرى الوطن منه إلا العادم الدليل الثاني…الذهب الذي لا يصدأ في الأدراج مصر من أكبر أسواق الذهب الاستهلاكي في الشرق الأوسط.ليس استثمارًا مؤسسيًا،بل ذهب بيوت أساور خواتم سبائك صغيرةجنيهات ذهبية تُشترى للزمن ذهب لا يدخل دورة إنتاج،ولا يُستثمر،ولا يُستخدم

إلا في المناسبات… أو الأزمات الشخصية.

أطنان كاملةنائمة في الأدراج،بينما الدولة تبحث عن جرامات لتغطية فجوة.الدليل الثالث: البنوك… حين يصبح المال مهاجرًامليارات الدولارات

مُودَعة خارج مصر..في لندن في باريس

في جنيف في مصارف لا تعرف صاحب المال إلا برقم وهذا ليس سرًا،

ولا نظرية مؤامرة،بل واقع اقتصادي معروف.

المال المصري يهاجر كما يهاجر العقل،

بحثًا عن أمان فقده في وطنه.

والنتيجة واحدة…رأس مال بلا وطن

ووطن بلا رأس مال.الدليل الرابع الجنيهات الراكدة ثم تأتي المفارقة الأشد قسوةتريليونات الجنيهات المصرية موجودة داخل البلد

لكنها لا تعمل.أموال..في حسابات جارية

في ودائع خاملةفي اكتناز لا يخلق فرصة عمل

ولا مصنع ولا مدرسةولا مستشفى

مال موجودلكن بلا روح.المفارقة الأخلاقية بيت القصيدلو كانت الأزمة أزمة فقر…لتماسك الجميع.لكنها أزمة انفصال.انفصال:بين المواطن والدولةبين المال والوطنبين بين الغنى والمسؤولية

نعيش مشهدًا عبثيًا..وطن يستدين…وأبناؤه يتباهون.تشبيه لا يزال صالحًامصر هنا أبٌ مديون،وأبناؤه في غنى فاحش.وحين يطلب الأب العون،لا يواجه الرفض،بل التهرب:

ليس وقته لا يضمن الدولة ليست أمينة

وكأن الأب يُحاسَب بينما الأبناء فوق المساءلة.

الأوطان لا تُنقَذ بالشعارات،بل بالشراكة.

ومن يحتفظ بثروته بعيدًا عن وطنه

لا يحق له أن يشتكي من ضعفه.مصر لا تطلب صدقة،بل تطلب أن يتذكر أبناؤها

أنها ليست فندقًا نقيم فيه…بل بيتًا نتحمّل أعباءه.الدليل الخامس: حين كانت الوطنية فعلًا لا خطابًا ..أم كلثوم نموذجًا

وسط هذا المشهد الملتبس بين الغنى والديون،

يخرج من التاريخ صوتٌ لا ليُغنّي بل ليُحرِج.

أم كلثوم…امرأة لم تكن دولة،ولا حكومة،

ولا بنكًا مركزيًا،ومع ذلك تصرّفت كأنها وطن كامل.بعد هزيمة 1967،حين انكسر الوجدان قبل السلاح،لم تسأل من السبب ولا أنبت الدولة وعاتبتها وخاصمتها وشمتت فيها .سافرت،وغنّت،وجمعت المال لا لنفسهابل للجيش المصري.تبرعت وحدها بـ 22 مليون فرنك فرنسي، في حفلاتها في ياريس

وأقامت حفلات في العواصم العربية والعالمية،

وكان إجمالي ما جمعته — بلغة أرقام هذا الزمن

يُقدَّر بما يقارب 100 مليار جنيه مصري.

مئة مليار…من صوت امرأة ومن إحساس وطن.

اللحظة الكاشفة: سؤال ليلى رستم

حين سألتها المذيعة ليلى رستم سؤالًا يبدو مهذبًا لكنه يحمل دهشة مبطنة:

مش كتير يا ست لم تصرخ أم كلثوم،ولم تتفلسف،قالت جملة واحدة

تُدرَّس في الوطنيةمش كتير على الجيش المصري.

لا شرح.لا مبررات.لا حسابات.كأنها تقول

الوطن لا يُقاس،والجيش لا يُحاسَب

بل يُسانَد.المقارنة المؤلمةأم كلثوم لم تكن أغنى المصريين،ولا كانت تملك شركات عابرة للقارات،

ولا حسابات في بنوك سويسرا.كانت تملك شيئًا أخطر..إحساسًا فطريًا بالانتماء.اليوم،نرى ثروات أضعاف أضعاف ما امتلكته

تُدار من خلف الزجاج،وتحسب الوطنية بالمسافة الآمنةلا بالفعل.أم كلثوم لم تتبرع لأن الدولة طلبت،ولا لأن الإعلام ضغط،بل لأنها رأت نفسها جزءًا من المصير.وهنا بيت القصيد..الوطنية ليست أن ترفع العلم،بل أن تضع ثروتك حيث تضع روحك.

أم كلثوم فعلت.والسؤال الذي يظل معلقًا:

كم أم كلثوم نحتاج لا في الغناء…

بل في الضمير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى