
مصر… الوطن الذي لم يشهر سيفه في وجه قلبه
بقلم خالد البنا
بعد بحث تاريخي دقيق..مصر هي الدولة الوحيدة في العالم التي لم يحدث فيها حرب أهلية على مدار آلاف السنين
ولذلك مصر دولة فريدة من نوعها
مصر ليست دولة،مصر أغنية قديمة تعلّمها الحجر قبل الإنسان،ورددها النيل قبل أن تُكتب اللغة.منذ أن خطت الشمس أول موعد لها مع الأرض،كانت مصر هناك…واقفة،…هادئة،
تراقب العالم وهو يتشاجر،وينكسر، ويعيد اختراع الخراب.في العالم القديم،احترقت المدن بنيران أبنائها،وفي العالم الحديث،تشققت الدول من داخلها..كما يتشقق الزجاج تحت صرخة مفاجئة.إلا مصر…مصر…الدولة الوحيدة..التي عبرت آلاف السنين..دون أن تخوض حربًا أهلية شاملة،..دون أن يتحول أبناؤها.إلى قبائل تتناحر على اسم الوطن..تعاقبت العصور،..وتبدلت الأديان،وتغير الحكام،ودخل الغزاة وخرجوا،
لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا.كثبات الهرم في مواجهة الريح:المصري لا يقتل المصري.ليحكم الركام.في مصر،الاختلاف لم يكن لعنة،
بل نغمة إضافية في اللحن..هنا،يتجاور الأذان وجرس الكنيسة.كما يتجاور الشهيق والزفير
في صدر واحد.وحين اشتدت الأزمات،لم يرفع المصري السكين،رفع رأسه،أو خفضه،أو أطلق نكتةأذابت الغضب قبل أن يتحول إلى دم.
كأن في دم المصري.مناعة ضد الجنون الجماعي،وكأن في تراب هذه الأرض وصية خفية تقولمن يختلف لا يفترس،ومن يغضب لا يذبح،ومن يتألم لا يحرق البيت…مصر لم تكن يومًا دولة ميليشيات،ولا وطن متاريس داخلية.
كانت دائمًا بيتًا واسعًا،تُغلق أبوابه إذا دخل الغريب بسلاح،لكنها لا تغلق قلوبهامفي وجه أبنائها مهما اختلفوا.حتى حين ظُلمت،وحين جاعت،وحين صبرت أكثر مما ينبغي،
لم تفقد اتزانها الداخلي،لم تتشقق إلى دول داخل الدولة،ولم تتحول شوارعها..إلى خطوط تماس.في العالم،الدول تولد ثم تموت.أما مصر،
فهي لا تولد ولا تموت،هي تستمر.تتغير الملامح،
لكن الروح واحدة.تتعاقب الأسماء،لكن النبرة واحدة.صوت خافت يقول:نعيش معًا…
أو لا نعيش مصر لم تُكتب بالدم،كُتبت بالعرق،
بالفلاحة،بالخبز،بالصبر الطويل الذي لا يلمع في الأخبار..لكنه يصنع التاريخ.ولهذا،كلما حاولوا جرّها إلى اقتتال داخلي،أفلتت.وكلما راهنوا على انقسامها،خسرت الرهانات.لأن مصر
ليست فكرة عابرة،ولا مشروع سلطة،ولا دولة طارئة.مصر أمّ.والأم…قد تغضب،وقد تعاتب،
وقد تصمت طويلاً،لكنها لا تذبح أبناءها
ولا تسمح لهم…أن يذبحوا بعضهم.


