في مصر… الغريب يصير مصريًا
بقلم خالد البنا
قراءة تاريخية موثقة في عبقرية التمصير
تمهيد تاريخي
ليست مبالغة أدبية ولا عاطفة وطنية أن نقول إن مصر هي الدولة الوحيدة تقريبًا التي لم تُنتَج هويتها بالاستبعاد، بل بالاحتواء.
وهذا ليس رأيًا إنشائيًا، بل حقيقة يؤكدها تتبّع تاريخ مصر السياسي والاجتماعي منذ فجر الدولة المركزية الأولى.
أولًا: مصر القديمة – دولة سبقت مفهوم العرق
تشير دراسات علم المصريات (مثل أعمال جيمس هنري بريستد ويان أسمان) إلى أن المصري القديم لم يكن يعرّف نفسه عرقيًا، بل حضاريًا.
في نصوص الأهرام،
ونقوش الدولة الوسطى،
وسجلات الدولة الحديثة،
لم يظهر مفهوم “النقاء العرقي”،
بل مفهوم الانتماء إلى ماعت (النظام، العدالة، الانسجام).
الأجنبي الذي يعيش وفق ماعت
يُدمَج.
والذي يهدد النظام
يُقصى سياسيًا لا عرقيًا.
وهذا يفسر لماذا اندمج النوبي، والليبي، والآسيوي،
بينما اندثر الهكسوس رغم حكمهم لمصر قرنًا من الزمان.
شاهد تاريخي:
الهكسوس (القرن 17 ق.م)
لم يتركوا أثرًا ثقافيًا يُذكر بعد طردهم،
لأنهم حكموا ولم يندمجوا.
ثانيًا: العصر اليوناني – مصر تُهضم الفاتح
مع دخول الإسكندر الأكبر (332 ق.م)،
ظن العالم أن مصر ستصبح يونانية.
لكن ما الذي حدث؟
البطالمة حكموا باليونانية،
لكنهم حكموا من منف ثم الإسكندرية كمركز مصري،
وعبدوا آلهة مصرية (سيرابيس نموذجًا)،
وتقمّصوا دور “فرعون”.
شاهد موثق:
بطليموس الأول لم يحكم إلا بعد أن نُصّب فرعونًا وفق الطقوس المصرية.
النتيجة:
لم تُهَلَّن مصر،
بل تمصّر اليونان الحاكمون.
ثالثًا: الرومان – القانون انهزم أمام الحياة
الرومان أداروا مصر كولاية اقتصادية،
لكنهم فشلوا في تغيير نسيجها الاجتماعي.
بقيت القرى مصرية،
واللغة الديموطيقية حيّة،
ثم تحولت تدريجيًا إلى القبطية.
شاهد تاريخي:
اللغة القبطية ليست لغة عرق جديد،
بل آخر أطوار اللغة المصرية القديمة.
وهذا دليل استمرارية لا انقطاع.
رابعًا: الفتح العربي – تعريب بلا اقتلاع
حين دخل العرب مصر (641م)،
لم يُجبِروا الناس على تغيير لغتهم فورًا.
استمرت القبطية قرونًا،
وظهرت وثائق رسمية ثنائية اللغة،
ولم تصبح العربية لغة الغالبية إلا في القرن التاسع.
شاهد موثق:
بحسب دراسات عزيز سوريال عطية،
فإن تعريب مصر كان اجتماعيًا تدريجيًا، لا قهريًا.
الإسلام نفسه في مصر
اتخذ طابعًا مصريًا:
تصوفًا،
ووسطية،
وتديّنًا شعبيًا مرتبطًا بالأرض.
خامسًا: المماليك والعثمانيون – حكّام بلا جذور
المماليك:
أتراك،
شركس،
ألبان،
حكموا مصر قرونًا،
لكنهم لم يصنعوا مجتمعًا مملوكيًا.
لماذا؟
لأن المجتمع المصري
لم يسمح للحاكم أن يصبح هوية.
شاهد تاريخي:
المماليك ذابوا اجتماعيًا،
بينما بقي الفلاح المصري كما هو:
لغةً، وملبسًا، وعادات.
سادسًا: محمد علي – الألباني الذي صار مصريًا
محمد علي نموذج بالغ الدلالة:
ألباني الأصل،
عثماني الانتماء،
لكنه حين حكم مصر
قطع مع إسطنبول،
وبنى دولة مصرية حديثة.
شاهد موثق:
مشروع محمد علي لم يكن عثمانيًا،
بل مصريًا مركزيًا (الجيش، الزراعة، الصناعة).
وهكذا
لم يحصل محمد علي على “جنسية مصرية”،
بل أعاد تعريف نفسه كمصري بحكم الفعل.
سابعًا: هل يوجد مصري نقي؟
علم الأنثروبولوجيا الحديث
(مثل دراسات جامعة كامبريدج عن وادي النيل)
يؤكد أن المصريين خليط جيني واسع.
لكن المفارقة:
هذا الخليط لم يُنتج صراعًا أهليًا،
ولم يُنتج حروب إبادة داخلية.
لأن مصر لم تُبنَ على الدم،
بل على المكان المشترك.
الأقباط—وهم الامتداد الأوضح للمصري القديم—
ليسوا “نقاء جينيًا”،
بل نقاء ثقافيًا حضاريًا.
الخاتمة: التمصير كقانون تاريخي
من الهكسوس إلى الإنجليز،
كل من دخل مصر
إما أن:
يحاول كسرها… فينكسر
أو يعيش فيها… فيتغيّر
وهذه هي المعجزة.
مصر لا تمنح هوية،
ولا تسحبها،
بل تفرض إيقاعها.
ومن يضبط خطوه عليه،
يصير منها،
ولو جاء من آخر الدنيا.


