
الطليعة المؤمنة
لم تكن الرسالة حدثًا معزولًا، ولا النبوّة ومضة في فراغ.
كانت حياة تُصاغ ببطء، وتتهيأ لها القلوب قبل أن ينطق الوحي.
خديجة لم تكن زوجة بالمعنى العابر للكلمة،
كانت سكينة الفكرة حين اضطرب العالم،
وكانت اليقين الذي سبق البرهان،
آمنت لأن القلب سبق العقل،
ولأنها عرفت الإنسان قبل أن تُدرك الرسالة.
وأبو طالب،
لم يكتب اسمه في سجل الإيمان،
لكنه نقش موقفه في سجل التاريخ.
وقف حيث لا يقف إلا من يفهم معنى الحماية،
فصنع من جسده قبيلة،
ومن صمته درعًا،
ومن تحمله حصار الجوع شهادة لا تُمحى.
وعليّ…
طفل لم يسأل عن العواقب،
ولم يزن الخطر بميزان العمر.
نام في فراش الموت كأنما ينام في فراش الطمأنينة،
لأن الإيمان حين يولد مبكرًا
لا يعرف الحسابات المتأخرة.
ثم أبو بكر،
الصديق الذي لم يحتج إلى معجزة،
ولا إلى تفسير مطوّل.
صدق لأن الصدق كان فيه طبعًا،
ومضى لأن الطريق، مهما اشتد،
لا يُخيف من عرف وجهته.
لم يكن محمد ﷺ محظوظًا بالمعنى الساذج للحظ،
بل كان محاطًا ببشرٍ
أدركوا أن الفكرة أكبر من ذواتهم،
وأن التاريخ لا يُكتب بالصخب،
بل بالثبات الصامت.
وهكذا بدأت الرسالة،
لا بمعجزة تهز السماء،
بل بقلوب
عرفت أن الحق، حين يأتي،
يحتاج من يحمله
قبل أن ينتصر.



