
فتح مكة لم يكن بالسيوف… بل بقلب محمد ﷺ
بقلم الكاتب/حسين ابوالمجد حسن
باحث في الشؤون السياسية والتاريخية
لم تُفتح مكة بحدّ السيوف، بل انكسرت قريش يوم دخلها محمد ﷺ بلا دم، وبلا انتقام، وبلا ثأر.
يومها سقطت الأصنام الكبرى في القلوب قبل أن تسقط الأصنام من فوق الكعبة، وكان من بين من سقطوا… سُهيل بن عمرو.
لم تُهزم قريش يوم فتح مكة بالسيوف، بل انهزمت يوم دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحًا بلا انتقام، وبلا مجازر، وبلا ثأر.
دخلها والنبي ﷺ في ذروة القدرة، فإذا بالمنادي ينادي في الناس:
«من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن».
كان هذا النداء زلزالًا في قلوب من أسرفوا في العداء… ومنهم سُهيل بن عمرو.
لحظة الانكسار
ما إن بلغ النداء سُهيلًا حتى أغلق بابه على نفسه، ودبّ الرعب في قلبه.
رجلٌ طالما وقف خطيبًا لقريش، ومجادلًا عنيفًا للإسلام، وموقّعًا على صلح الحديبية وهو يأبى أن تُكتب عبارة «محمد رسول الله».
أرسل في طلب ابنه عبد الله، وكان من المسلمين الذين ذاقوا على يديه ألوان العذاب، وقال له في لحظة صدق وانكسار:
اطلب لي جوارًا من محمد… فإني لا آمن أن أُقتل.
ذهب الابن إلى رسول الله ﷺ، فقال:
— يا رسول الله، أبي… أتؤمِّنه؟
فقال ﷺ بلا تردّد:
«نعم، هو آمنٌ بأمان الله».
ثم التفت إلى أصحابه وقال كلمته الخالدة:
«من لقي منكم سُهيلًا فلا يُسيء لقاءه، فلعمري إن لسُهيل عقلًا وشرفًا، وما مثلُه يجهل الإسلام، ولكن قُدِّر فكان».
إسلامٌ ملك القلب
فأسلم سُهيل… لا إسلام مساومة، بل إسلامًا ملك قلبه ولبَّه.
وأحبّ رسول الله ﷺ حبًّا عجيبًا، حتى قال الصدّيق رضي الله عنه:
«رأيته في حجة الوداع يلتقط شعرة من شعر النبي ﷺ فيضعها على عينيه… فتذكّرت يوم الحديبية، وكيف أبى أن يكتب: محمد رسول الله».
يوم مات الرسول… وقف سُهيل
حين نُعي رسول الله ﷺ، اضطربت مكة كما اضطربت المدينة، وكاد الناس أن يفتتنوا.
فوقف سُهيل بن عمرو موقفًا يُكتب بماء الذهب، وتقلّد سيفه، وصعد يخطب في الناس قائلًا:
«أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت».
ثم تلا:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ…﴾
فلما بلغ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه خبره، قال:
«هذا هو المقام الذي عنى رسول الله ﷺ حين قال: لعلّه يقوم مقامًا لا تكرهه».
مرابطٌ حتى الموت
وفي خلافة الفاروق، قال سُهيل لعمر:
«هل من عملٍ نستدرك به ما فاتنا من الفضل؟»
فأشار عليه بثغور الشام.
جمع سُهيل أبناءه وأهله، وخرج بهم جميعًا مرابطًا في سبيل الله، وقال قسمه العظيم:
«والله لا أدع موقفًا وقفتُه مع المشركين إلا وقفتُ مثله مع المسلمين، ولا نفقة أنفقتُها في الباطل إلا أنفقتُ مثلها في الحق».
شهد اليرموك، وأبلى بلاء الصادقين، ثم أدركه طاعون عمواس شهيدًا بإذن الله، فمات غريبًا عن مكة، ومعه أبناؤه وذووه.
الخاتمة المختارة:
هكذا يصنع الإسلام رجاله…
لا بالقهر، بل بالرحمة.
ولا بالسيف، بل بالعفو.
فتحوّل خطيب الجاهلية إلى شاهد عدل على عظمة هذا الدين،
وتحقّقت نبوءة النبي ﷺ…
أن القلوب إذا فُتحت، فُتح بها العالم كله.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾



