رسائل القاهرة إلى الخليج وتحذيرات من مخاطر الصدام الإقليمى
كتب: أيمن بحر
فى توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة العربية تتزايد أهمية التحركات والاتصالات المصرية مع الدول العربية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الملفات الأمنية والسياسية والعسكرية من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي وحوض النيل والسودان
وتأتي الرؤية المصرية في هذا السياق من منطلق واضح يقوم على ضرورة الحفاظ على الأمن القومي العربي ومنع تحويل الخلافات العربية إلى صراعات مفتوحة تستنزف قدرات الدول وتمنح القوى الخارجية فرصة أكبر للتدخل وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة
القاهرة تدرك أن المرحلة الحالية لا تحتمل الحسابات الضيقة ولا القرارات المنفصلة عن طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة فالأمن المصري يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وأمن السودان واستقرار القرن الأفريقي وأمن منابع النيل كما أن أمن دول الخليج يمثل في الوقت نفسه جزءا أصيلا من منظومة الأمن القومي العربي
ومن هنا تبرز أهمية الرسائل المصرية التي تؤكد ضرورة التنسيق والتشاور بين الأشقاء والابتعاد عن أي سياسات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب أو تفتح أبوابا جديدة أمام الصراعات الإقليمية
الأمن القومي العربي أمام اختبار صعب
المشهد الإقليمي لم يعد قائما على أزمة واحدة وإنما أصبح شبكة متداخلة من الأزمات تبدأ من الصراعات في السودان وتمتد إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل فضلا عن الملفات الأمنية والسياسية الأخرى التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مستقبل المنطقة
وفي ظل هذه المعادلة يصبح التنسيق العربي ضرورة وليس ترفا سياسيا لأن أي خلل في توازنات المنطقة يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود الدولة التي تبدأ فيها الأزمة
وتؤكد الرؤية المصرية أن حماية المصالح الوطنية لا تعني الدخول في مواجهات مفتوحة وإنما تعني امتلاك القدرة على قراءة المخاطر والاستعداد لجميع السيناريوهات مع إعطاء الأولوية دائما للحلول السياسية والدبلوماسية متى كانت ممكنة
الخبرة الوطنية ودروس التاريخ
أحد أهم الملفات التي تستحق النقاش هو طبيعة مصادر المعلومات والاستشارات التي يعتمد عليها صانع القرار العربي
فالاستعانة بالخبرات الدولية ليست في حد ذاتها مشكلة لكن الخطورة تظهر عندما تتحول الرؤية الخارجية إلى بديل عن الخبرة الوطنية أو عندما تصبح مصالح القوى الكبرى جزءا من عملية صناعة القرار الداخلي في دول المنطقة
وتملك مصر بحكم تاريخها وموقعها وخبرتها الطويلة في التعامل مع أزمات المنطقة رصيدا واسعا من الخبرات السياسية والاستراتيجية التي تجعلها قادرة على قراءة تعقيدات المشهد العربي والإفريقي بصورة مختلفة
ولهذا فإن تعزيز التعاون بين الخبرات العربية وفتح المجال أمام التنسيق المؤسسي بين مراكز الدراسات والخبراء وصناع القرار يمكن أن يمثل عاملا مهما في بناء رؤية عربية أكثر استقلالا واتزانا
النفط والثروة لا يصنعان وحدهما الأمن
الثروة النفطية التي تتمتع بها بعض الدول العربية تمثل قوة اقتصادية هائلة يمكن توظيفها في بناء مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا
لكن القوة الاقتصادية تحتاج إلى رؤية سياسية واستراتيجية مستقلة حتى تتحول إلى قوة حقيقية للدولة
فالمال يمكن أن يشتري التكنولوجيا والسلاح والخدمات والاستشارات لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع القرار المستقل أو يضمن قراءة صحيحة لطبيعة التحولات الجيوسياسية
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية يتمثل في الجمع بين القوة الاقتصادية والخبرة الوطنية والقرار السياسي المستقل والتنسيق العربي الفعال
مصر والتحذير من تحويل المنطقة إلى ساحات صراع
الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من التحركات المصرية هي أن المنطقة العربية ليست بحاجة إلى مزيد من الحروب وإنما إلى إعادة بناء الثقة بين الأشقاء
فكلما اتسعت دائرة الخلافات العربية أصبحت القوى الخارجية أكثر قدرة على استثمارها وكلما غابت الرؤية المشتركة تحولت الملفات الإقليمية إلى أوراق ضغط تستخدمها أطراف دولية لتحقيق مصالحها
ولهذا فإن مصر تنظر إلى أمن الخليج باعتباره جزءا من أمن المنطقة العربية كما تنظر إلى استقرار السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتباره جزءا من منظومة الأمن القومي المصري والعربي
الرسالة الأخيرة
المرحلة الحالية تحتاج إلى عقل سياسي عربي أكثر هدوءا ووعيا وقدرة على التمييز بين الصديق الذي يقدم النصح والشريك الذي يبحث عن المصالح المشتركة وبين الطرف الخارجي الذي قد ينظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة للمنافسة والنفوذ
والحل لا يكمن في القطيعة مع العالم ولا في رفض التعاون الدولي وإنما في أن يكون القرار العربي نابعاً أولا من المصالح العربية وأن تكون العلاقات الدولية وسيلة لحماية تلك المصالح وليست بديلا عنها
ومصر بما تمتلكه من ثقل سياسي وعسكري وتاريخي مطالبة كما هي الدول العربية الأخرى بالمساهمة في بناء منظومة أمن عربي أكثر تماسكا تقوم على الحوار والتنسيق والاحترام المتبادل
فالمعادلة الحقيقية ليست مصر في مواجهة الخليج ولا الخليج في مواجهة مصر
المعادلة الحقيقية هي أن أمن مصر وأمن الخليج وأمن السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ملفات مترابطة وأن أي محاولة لإشعال الخلافات بين الأشقاء لن يستفيد منها في النهاية إلا من يريد إضعاف المنطقة واستنزاف مقدراتها
ولهذا فإن وحدة الصف العربي والوعي بالمخاطر والاعتماد على الخبرة الوطنية والاحتكام إلى لغة الحوار تظل الطريق الأكثر أمنا لحماية الدول العربية من الدخول في صراعات لا تخدم سوى الآخرين
وفي النهاية تبقى الرسالة الأهم أن قوة العرب الحقيقية لا تكمن في كثرة السلاح أو ضخامة الثروة فقط وإنما في القدرة على اتخاذ القرار الذي يحمي مصالح الشعوب ويحفظ سيادة الدول ويمنع تحويل المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة لصراعات القوى الكبرى



