الشفرة النوبية من أسوان إلى جبهة القتال حكاية عقل مصرى ساهم فى حماية أسرار العبور العظيم
كتب: أيمن بحر
فى ذكرى نصر أكتوبر المجيد تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر الحكايات إثارة المرتبطة بالاستعداد للمعركة وهى حكاية الشفرة النوبية التي ارتبطت باسم البطل المصرى الراحل الصول أحمد إدريس ابن النوبة من أسوان والذى طرح فكرة استخدام اللغة النوبية فى الاتصالات العسكرية لتأمين الرسائل والأوامر خلال حرب أكتوبر 1973
لم تكن معركة أكتوبر معركة سلاح فقط وإنما كانت كذلك معركة عقل وتخطيط وتمويه وتأمين للمعلومات فقبل الحرب كانت الاتصالات العسكرية تمثل تحديا بالغ الأهمية فى ظل محاولات إسرائيل التنصت على الاتصالات المصرية وفك الشفرات ومع اقتراب ساعة الصفر أصبح الحفاظ على سرية الأوامر والتحركات جزءا أساسيا من خطة تحقيق المفاجأة
وفى خضم البحث عن وسيلة أكثر أمنا للاتصالات طرح أحمد إدريس فكرة استخدام اللغة النوبية باعتبارها لغة محكية متوارثة بين أبناء النوبة ولا تعتمد في ذلك السياق على نظام كتابة عسكري متداول وهو ما جعل استخدامها في نقل الأوامر وسيلة غير مألوفة بالنسبة لمن يحاول التنصت على الاتصالات دون معرفة اللغة نفسها
وبحسب رواية أحمد إدريس التي نقلتها وسائل إعلام مصرية فإنه اقترح الفكرة على قيادته بعدما كان الرئيس أنور السادات قد طلب البحث عن حل لمشكلة تأمين الاتصالات وتم رفع المقترح إلى القيادة حتى وصل إلى الرئيس السادات الذي وافق على استخدامه وطلب الحفاظ على سرية الفكرة
ولم تتوقف الفكرة عند مجرد استخدام اللغة في الحديث فقد جرى إعداد عدد من أبناء النوبة الذين خدموا بالقوات المسلحة للعمل في الاتصالات وتداولت روايات أحمد إدريس أن نحو 300 من أبناء النوبة شاركوا في منظومة الاتصالات وأن المعدات والمحطات حملت مسميات باللغة النوبية بهدف تأمين المعاني المتداولة عبر أجهزة الاتصال
وهنا تحولت اللغة التي حفظها أبناء النوبة جيلا بعد جيل إلى وسيلة من وسائل التأمين العسكري في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ المصري الحديث
كانت الأوامر تنتقل بين القيادات والوحدات من خلال عناصر تعرف اللغة النوبية بحيث يتم نقل المعنى المقصود إلى الطرف الآخر دون أن تكون الرسالة مفهومة بصورة مباشرة لمن يتنصت عليها من خارج منظومة الاتصالات
ومن بين الكلمات التي اشتهرت في الروايات الخاصة بالشفرة النوبية كلمة أوشريا التي قيل إنها كانت تستخدم بمعنى اضرب بينما كشفت روايات أخرى لأحمد إدريس عن استخدام أسماء نوبية للمعدات والرتب وبعض المواقع والمحطات حتى تصبح المصطلحات المتداولة داخل الاتصالات غير مفهومة للمتنصتين عليها
ولعل القيمة الحقيقية لهذه القصة لا تكمن فقط في غرابة الفكرة وإنما في الدرس الذي تحمله وهي أن التفوق في الحروب لا يرتبط دائما بأحدث الأجهزة وأكثرها تعقيدا فقد يأتي الحل من فكرة بسيطة يقدمها جندي أو صف ضابط يمتلك خبرة مختلفة ويعرف كيف يحول ما تملكه بلاده من تنوع ثقافي ولغوي إلى عنصر قوة
وقد ظل أحمد إدريس محتفظا بسر الفكرة لعقود طويلة قبل أن يتحدث عنها علنا بعد سنوات من الحرب كما كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي تقديرا لدوره في حرب أكتوبر
ورحل أحمد إدريس في سبتمبر 2021 عن عمر ناهز 84 عاما بعد أن ارتبط اسمه بواحدة من أشهر القصص التي تناولت الدور الذي لعبته اللغة النوبية في تأمين الاتصالات المصرية خلال حرب أكتوبر
وفي ذكرى نصر أكتوبر المجيد تبقى قصة الشفرة النوبية جزءا من ذاكرة مصر العسكرية والوطنية ورسالة تؤكد أن أبناء مصر جميعا كانوا شركاء في صناعة النصر وأن النوبة وأبناء أسوان قدموا نموذجا مشرفا في خدمة الوطن
إنها حكاية جندي مصري رأى في لغته وتراثه وسيلة لخدمة بلاده فتحولت كلمة من أبناء النوبة إلى جزء من قصة العبور وتحولت لغة محلية إلى عنصر من عناصر الخداع والتمويه العسكري
رحم الله البطل أحمد إدريس ورحم شهداء مصر الأبرار وحفظ الله مصر وشعبها وجيشها
تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر



