أين تكمن مصلحة مصر والدول العربية في الصراع القائم؟.. صراع النفوذ بين إيران وإسرائيل يضع الأمن العربي أمام اختبار تاريخي
كتب: أيمن بحر
في ظل الصراع الإقليمي المتصاعد وتداخل المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية للقوى الكبرى والإقليمية، يبرز سؤال بالغ الأهمية: أين تكمن مصلحة مصر والدول العربية؟ وهل من الحكمة أن تنحاز المنطقة إلى طرف ضد آخر، أم أن المصلحة الحقيقية تكمن في منع جميع الأطراف المتنافسة من فرض هيمنتها على المنطقة؟
الحقيقة أن مصر والدول العربية تواجه تحديين استراتيجيين لا يمكن تجاهلهما، يتمثل أولهما في التوسع الإسرائيلي ومحاولات تعزيز النفوذ في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما يتمثل التحدي الآخر في اتساع النفوذ الإيراني عبر حلفاء وأذرع إقليمية، وما يرتبط بذلك من تهديدات للممرات البحرية وأمن الدول العربية.
إيران وإسرائيل.. صراع نفوذ على حساب الأمن العربي
لا يمكن النظر إلى التحركات الإيرانية باعتبارها مجرد خلافات سياسية عابرة، فامتداد النفوذ الإيراني عبر العراق ولبنان واليمن، إلى جانب قدراتها الصاروخية والنووية، يطرح تساؤلات جدية بشأن مستقبل الأمن العربي.
وتزداد خطورة هذه الحسابات عندما نضع في الاعتبار أهمية مضيق هرمز وباب المندب، فالأول يمثل شرياناً رئيسياً لصادرات الطاقة الخليجية، والثاني يمثل بوابة استراتيجية للبحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.
إن امتلاك أي قوة إقليمية أدوات ضغط على هذه الممرات يمنحها قدرة كبيرة على التأثير في الاقتصاد العالمي ومصالح الدول العربية.
ولا ينبغي أن يعتقد أحد أن الخلاف مع إسرائيل يجعل إيران حليفاً مضموناً لمصر أو للدول العربية، فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح وليس الشعارات، وأي دولة تسعى إلى فرض نفوذها على حساب سيادة الدول العربية يجب التعامل مع تحركاتها بحسابات واقعية.
إسرائيل والقرن الإفريقي.. البحر الأحمر في قلب الحسابات
في المقابل، تمثل التحركات الإسرائيلية في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي قضية استراتيجية تستحق اهتماماً عربياً واسعاً، نظراً لما تمثله هذه المنطقة من أهمية لأمن الملاحة الدولية والأمن القومي المصري والعربي.
فمصر ترتبط مصالحها الاستراتيجية بأمن البحر الأحمر وباب المندب، كما أن أي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس على قناة السويس والاقتصاد المصري.
وبالتالي فإن ترك المجال أمام أي قوة إقليمية لفرض واقع أمني أو سياسي جديد في هذه المنطقة يمثل تحدياً لا يجوز الاستهانة به.
هل تتحول العراق إلى ساحة المواجهة المقبلة؟
تظل العراق واحدة من أكثر الساحات حساسية في الصراع الإقليمي، بسبب موقعها الجغرافي وتداخل القوى والنفوذ الإقليمي داخلها، فضلاً عن ارتباط أمنها باستقرار الخليج العربي.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق بين مصر والسعودية ودول الخليج وسوريا وتركيا وباكستان، من أجل حماية الأمن الإقليمي ومنع تحول الأراضي العربية إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
وقد نشهد مستقبلاً مزيداً من التقارب والتنسيق الأمني والسياسي بين هذه الدول لمواجهة التهديدات المشتركة، لكن الحديث عن تحالف عسكري محدد أو حرب شاملة قادمة يظل في إطار التوقعات والتحليلات، وليس حقيقة مؤكدة.
أين تكمن مصلحة مصر؟
مصلحة مصر ليست في انتصار طرف إقليمي على حساب طرف آخر بقدر ما تكمن في حماية الدولة المصرية ومصالحها الاستراتيجية، وتأمين البحر الأحمر وباب المندب، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز، وصون أمن الخليج العربي، ومنع أي قوة من فرض إرادتها على المنطقة.
كما أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي المصري والعربي، وهو ما يجعل التنسيق المشترك ضرورة استراتيجية.
والرسالة الأهم أن مصر لا ينبغي أن تسمح بتحويل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، ولا أن تقبل بأن تكون مصالحها أو مصالح أشقائها العرب رهينة حسابات القوى المتنافسة.
إن أمن مصر من أمن أشقائها العرب، وأمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، كما أن استقرار البحر الأحمر ليس قضية مصرية فقط، بل مسؤولية ترتبط بمصالح دول المنطقة والعالم.
الخلاصة.. لا إيران حليف مضمون ولا إسرائيل خارج حسابات الخطر
لا تراهنوا على ضعف طرف حتى تصبحوا أسرى لقوة الطرف الآخر، ولا تخلطوا بين العدو والخصم والمنافس والحليف.
فمصر تحتاج إلى محيط عربي قوي ومتماسك، وإلى علاقات متوازنة تحمي مصالحها، وإلى موقف عربي موحد يرفض التدخل في شؤون الدول وتهديد سيادتها.
والأهم أن تتعلم المنطقة من دروس التاريخ، فالدول التي تختلف فيما بينها اليوم قد تجد نفسها غداً أمام تحديات مشتركة لا تستطيع مواجهتها منفردة.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى وعي سياسي واستراتيجي، وإلى قراءة دقيقة لما يجري خلف الكواليس، بعيداً عن الشائعات والانفعالات، فالمعركة الحقيقية ليست فقط معركة سلاح، وإنما معركة نفوذ واقتصاد وممرات بحرية ومستقبل أجيال.
حفظ الله مصر وجيشها وشعبها وقيادتها، وحفظ المملكة العربية السعودية ودول الخليج وسائر الدول العربية والإسلامية، وألهم قادة الأمة الحكمة والرشد في اتخاذ القرار، وجمع كلمة العرب على ما فيه الخير والأمن والاستقرار.



