مصر والسعودية في مواجهة مخططات استنزاف المنطقة وإعادة تشكيل موازين القوى
كتب: أيمن بحر
في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تبرز أهمية التنسيق المصري السعودي باعتباره أحد الركائز الأساسية للحفاظ على استقرار المنطقة وحماية الأمن القومي العربي من تداعيات الصراعات الممتدة في اليمن والبحر الأحمر والخليج العربي
وتطرح التطورات الإقليمية تساؤلات مهمة حول طبيعة المصالح الدولية المتشابكة ومدى تأثيرها في مسارات الصراع بالمنطقة خاصة في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران والتحديات الأمنية المرتبطة بجماعة الحوثيين فضلا عن محاولات إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم مصالح القوى الكبرى
وفي هذا السياق تبرز أهمية التحرك المصري السعودي المشترك لتجنب الانزلاق إلى مواجهات عسكرية طويلة الأمد قد تستنزف الموارد الاقتصادية والعسكرية للدول العربية وتفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية
اليمن واستنزاف القدرات العربية
يمثل الملف اليمني أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه المملكة العربية السعودية في ظل سنوات من الصراع وتداعياته على أمن الحدود والملاحة الدولية واستقرار منطقة البحر الأحمر
ويرى مراقبون أن استمرار المواجهات دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى استنزاف الموارد وإطالة أمد الأزمة بما يفرض ضرورة إعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية التي تحفظ أمن المملكة وتصون وحدة اليمن وتحد من التدخلات الخارجية
وتؤكد المصالح المصرية أن أمن البحر الأحمر يرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن القومي العربي وأن حماية الملاحة الدولية واستقرار الممرات البحرية تتطلب تنسيقا إقليميا مستمرا وتغليب لغة الحوار على التصعيد العسكري
ومن هنا تكتسب الشراكة المصرية السعودية أهمية خاصة في دعم جهود التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع والعمل على بناء مقاربة إقليمية توازن بين متطلبات الأمن واحترام سيادة الدول والحفاظ على مقدرات الشعوب
الاتفاقيات الإبراهيمية والقضية الفلسطينية
في المقابل يظل ملف التطبيع بين إسرائيل والدول العربية من القضايا التي ترتبط بحسابات سياسية وأمنية معقدة في المنطقة
وتتمسك المملكة العربية السعودية بموقف معلن يربط إقامة علاقات كاملة مع إسرائيل بمسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وهو موقف يعكس مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات العربية ويؤكد أن ترتيبات السلام لا يمكن أن تستقر دون معالجة جذور الصراع وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني
وتتفق الرؤية المصرية مع ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية تقوم على حل الدولتين وتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بما يحفظ الأمن والاستقرار ويحول دون استمرار دوائر العنف والتوتر
وفي ظل هذه المعطيات فإن أي محاولات للربط بين الضمانات الأمنية والتنازلات السياسية يجب أن تخضع لتقييم دقيق يحافظ على استقلال القرار الوطني ويمنع فرض ترتيبات إقليمية لا تحقق المصالح الحقيقية لشعوب المنطقة
رفض تحويل الأزمات إلى أدوات للهيمنة
تؤكد التجارب الإقليمية أن استمرار الصراعات لا يخدم بالضرورة مصالح الدول المتضررة منها بل قد يفتح المجال أمام قوى خارجية لتوسيع نفوذها وتعزيز حضورها العسكري والسياسي والاقتصادي
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ورفض استخدام التهديدات الأمنية وسيلة لفرض تحالفات أو ترتيبات سياسية بعينها
كما أن معالجة التوترات بين الدول العربية وإيران تتطلب مسارا واقعيا يجمع بين حماية الأمن القومي والحوار الدبلوماسي ووضع ضوابط واضحة تمنع الاعتداءات والتدخلات التي تهدد استقرار المنطقة
وقد أظهر التقارب السعودي الإيراني الذي تم التوصل إليه عام 2023 بوساطة صينية أن المسارات الدبلوماسية يمكن أن تفتح المجال أمام خفض التوترات رغم استمرار الخلافات والتحديات التي تحتاج إلى معالجة جادة
القاهرة والرياض ومصالح الأمن القومي العربي
تمثل العلاقات المصرية السعودية ركيزة مهمة في معادلة الاستقرار العربي نظرا إلى الثقل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي الذي تتمتع به الدولتان
ويظل التنسيق بين القاهرة والرياض ضرورة لمواجهة التحديات المشتركة وحماية أمن البحر الأحمر ودعم استقرار اليمن ومنع اتساع نطاق المواجهات الإقليمية إلى صراع شامل ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد والتجارة وأمن الطاقة والملاحة الدولية
وتقوم قوة الموقف العربي على استقلال القرار الوطني والقدرة على تقييم المصالح بعيدا عن الضغوط الخارجية مع الحفاظ على الشراكات الدولية التي تحقق المصالح المتبادلة دون التفريط في الثوابت الوطنية والقومية
الخلاصة
إن حماية الأمن العربي لا تتحقق بإطالة أمد الحروب أو الانخراط في صراعات مفتوحة بل ببناء مواقف استراتيجية متوازنة تجمع بين الردع المسؤول والتحرك الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي والتمسك بالحقوق المشروعة للشعوب
وفي هذه المرحلة الدقيقة تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التنسيق المصري السعودي والعمل العربي المشترك لمنع استنزاف مقدرات المنطقة والحفاظ على استقلال القرار السياسي ورفض تحويل الأزمات إلى وسائل للضغط أو فرض الأمر الواقع
فاستقرار المنطقة مسؤولية عربية مشتركة وأي تسوية حقيقية يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة وتحقيق السلام العادل والشامل بعيدا عن منطق الهيمنة والإكراه



