اضطرابات أوروبا لا تتوقف عند حدودها وتداعياتها المحتملة قد تمتد إلى الاقتصاد المصري
تحويلات المصريين والسياحة والاستثمارات وسوق العمل أبرز الملفات المرتبطة بتطورات المشهد الدولي
بقلم: أيمن بحر
لم يعد العالم يعيش في جزر منفصلة بل أصبح أشبه بقرية صغيرة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والسياسية وتتداخل فيها الأزمات بصورة تجعل ما يحدث في دولة بعيدة قادرا على ترك آثار مباشرة أو غير مباشرة على دول أخرى
وفي ظل ما تشهده بعض الدول الأوروبية من احتجاجات واضطرابات وتحديات اقتصادية واجتماعية تبرز تساؤلات مهمة حول انعكاسات استمرار هذه الأوضاع أو تصاعدها على الاقتصاد المصري وعلى مصالح المواطنين في الداخل والخارج
فالقضية لا تتعلق فقط بما تشهده أوروبا من أحداث داخلية أو بما يثار حول مستويات الدخول والأجور وإنما تمتد إلى فهم طبيعة الحياة هناك وما يرتبط بها من تكاليف معيشة وضرائب والتزامات مالية وديون عامة وعجز في الموازنات فضلا عن التفاوت في مستويات الدخل بين المواطنين
فارتفاع متوسط الدخل في دولة ما لا يعني بالضرورة أن جميع مواطنيها يعيشون في رفاهية أو أن الأعباء المعيشية لا تمثل تحديا حقيقيا بالنسبة لقطاعات واسعة من السكان
كما أن المقارنة بين الدول لا ينبغي أن تعتمد على الأجور وحدها بل يجب أن تشمل تكاليف السكن والطاقة والغذاء والنقل والرعاية الصحية والضرائب ومدى قدرة المواطن على تلبية احتياجاته الأساسية
لكن الأهم من كل ذلك هو النظر إلى ما يمكن أن تتركه الأزمات الدولية من آثار على مصالح مصر الاقتصادية والاجتماعية
دروس الماضي تؤكد أهمية الحفاظ على الاستقرار
لقد شهدت مصر خلال أحداث عام 2011 وما تلاها من سنوات تحولات كبيرة وتحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية تركت آثارها على حياة المواطنين وعلى مسار التنمية
وبعيدا عن اختلاف التقييمات السياسية لتلك المرحلة فإن التجربة تؤكد أن الاضطرابات الممتدة وتراجع النشاط الاقتصادي وتعطل الإنتاج والاستثمار يمكن أن تفرض تكاليف باهظة على الدولة والمجتمع
فاستقرار الدول لا يتحقق بالشعارات وحدها كما أن معالجة الأزمات لا تكون بالتخريب أو الاعتداء على الممتلكات أو تعطيل مصالح المواطنين وإنما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الاستجابة للمطالب المشروعة وإدارة الخلافات وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات
وفي الوقت نفسه فإن الاستقرار الحقيقي لا ينفصل عن تحسين مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل وتعزيز العدالة الاجتماعية وفتح قنوات الحوار أمام المواطنين
تحويلات المصريين بالخارج في دائرة التأثر المحتمل
تعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد الموارد المهمة للاقتصاد المصري ومصدرا رئيسيا لدعم ملايين الأسر التي تعتمد على ما يرسله أبناؤها لتغطية نفقات المعيشة والتعليم والعلاج والسكن
ومن هنا فإن أي تراجع اقتصادي واسع في الدول التي يعمل بها المصريون قد ينعكس على دخول بعض العاملين وعلى قدرتهم على الادخار وتحويل الأموال إلى أسرهم في مصر
فإذا تعرضت قطاعات اقتصادية للتباطؤ أو ارتفعت تكاليف المعيشة أو تراجعت فرص العمل فقد تتجه الأولوية لدى العامل المصري إلى تغطية احتياجاته الأساسية والالتزامات التي يتحملها في بلد الإقامة وهو ما قد يؤثر على حجم التحويلات في بعض الحالات
لكن ذلك يظل احتمالا مرتبطا بطبيعة الأزمة ومدتها ومدى تأثيرها على سوق العمل وليس نتيجة حتمية لكل اضطراب تشهده دولة أوروبية
السياحة المصرية أمام تحديات الاقتصاد العالمي
يمثل القطاع السياحي أحد أهم القطاعات الحيوية في مصر لما يوفره من فرص عمل وما يجلبه من إيرادات بالعملة الأجنبية وما يرتبط به من أنشطة النقل والفنادق والمطاعم والخدمات التجارية
وتبرز أهمية هذا القطاع بصورة خاصة في محافظة البحر الأحمر ومدنها السياحية وفي مقدمتها الغردقة ومرسى علم حيث ترتبط حركة السياحة بدرجة كبيرة بالأسواق الخارجية وقدرة السائح على الإنفاق والسفر
وفي حال امتداد الأزمات الاقتصادية إلى قطاعات واسعة من المجتمع الأوروبي فقد تتراجع قدرة بعض الأسر على تحمل نفقات السفر أو تتغير أولوياتها الاستهلاكية وهو ما قد يؤثر على الطلب السياحي في بعض الأسواق
ومع ذلك فإن حجم التأثير يتوقف على طبيعة الأزمة ومستوى ثقة المستهلكين وتكاليف السفر وحركة الطيران وأداء الأسواق السياحية المختلفة
ومن هنا تبرز ضرورة مواصلة تنويع الأسواق السياحية وتحسين جودة الخدمات وتطوير المنتج السياحي المصري وتعزيز قدرته على المنافسة حتى لا يرتبط مستقبل القطاع بسوق واحدة أو مجموعة محدودة من الأسواق
الاستثمارات تحتاج إلى بيئة دولية مستقرة
تتأثر قرارات الاستثمار بدرجة الاستقرار السياسي والاقتصادي وبمستويات المخاطر وتكلفة التمويل وتوقعات النمو وحركة التجارة العالمية
وعندما تتزايد حالة عدم اليقين في الاقتصادات الكبرى قد تعيد بعض الشركات والمؤسسات تقييم خططها التوسعية أو تؤجل بعض المشروعات لحين اتضاح الرؤية
وقد ينعكس ذلك بصورة غير مباشرة على تدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة ومن بينها مصر
لكن هذه النتيجة ليست حتمية إذ يمكن لبعض الدول أن تستفيد من إعادة توزيع الاستثمارات العالمية إذا امتلكت مقومات المنافسة من بنية تحتية جيدة وبيئة تشريعية واضحة واستقرار مؤسسي وفرص إنتاجية واعدة
ولذلك فإن التحدي أمام الاقتصاد المصري يتمثل في تعزيز الثقة وجذب الاستثمارات المنتجة وتوسيع قاعدة الصناعة المحلية وزيادة الصادرات وتوفير مناخ مناسب لنمو المشروعات وتوليد فرص العمل
سوق العمل والاستعداد للسيناريوهات الصعبة
من بين الملفات التي تستحق الاهتمام ملف العمالة المصرية بالخارج وخاصة العاملين في القطاعات الأكثر تأثرا بالتباطؤ الاقتصادي
فإذا تراجعت فرص العمل في بعض الدول أو واجهت شركات ومؤسسات صعوبات مالية فقد يتعرض بعض العاملين لفقدان وظائفهم أو انخفاض دخولهم أو اضطرارهم إلى العودة إلى مصر
أما العمالة التي لا تمتلك أوضاعا قانونية مستقرة فقد تواجه تحديات إضافية تتعلق بالإقامة والعمل وفقا للقوانين المعمول بها في دول الاستضافة
غير أن الحديث عن عودة أعداد كبيرة من المصريين لا ينبغي أن يتحول إلى توقع مؤكد من دون بيانات موثوقة تشير إلى حجم المشكلة واتجاهاتها الفعلية
وتظل أهمية الاستعداد قائمة من خلال تطوير برامج التدريب والتأهيل وربط التعليم باحتياجات سوق العمل وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتهيئة فرص اقتصادية قادرة على استيعاب الباحثين عن العمل
فكلما امتلك الاقتصاد المحلي قدرة أكبر على الإنتاج والتوسع أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الصدمات الخارجية وتقليل آثارها على الأسر المصرية
العالم مترابط والأزمات لا تعرف الحدود
إن ما يحدث في أوروبا أو الخليج أو أي منطقة مؤثرة في الاقتصاد العالمي يمكن أن تكون له انعكاسات على التجارة والطاقة والاستثمار والسياحة والتحويلات المالية
لكن حجم هذه الانعكاسات يختلف من أزمة إلى أخرى ويتوقف على مدى اتساعها ومدتها وطبيعة القطاعات المتضررة وقدرة الدول على اتخاذ إجراءات استباقية
ومن الخطأ التعامل مع كل اضطراب باعتباره مقدمة حتمية لانهيار اقتصادي شامل كما أن تجاهل المخاطر المحتملة لا يخدم مصالح الدول أو المواطنين
والتعامل المسؤول يقتضي متابعة المؤشرات الاقتصادية والاستعداد للسيناريوهات المختلفة وتعزيز مصادر الدخل القومي وتوسيع قاعدة الإنتاج وتحسين كفاءة إدارة الموارد
كما أن حماية الاستقرار لا تعني إغفال مطالب المواطنين أو التقليل من أهمية تحسين مستوى المعيشة بل تعني العمل على معالجة المشكلات بصورة مؤسسية تضمن استمرار الخدمات والإنتاج وتحافظ على حقوق الناس ومصالحهم
مصر والاستقرار وبناء القدرة على مواجهة الأزمات
تبقى مصر بحاجة إلى مواصلة العمل على حماية اقتصادها من الصدمات الخارجية من خلال دعم الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات وتعزيز السياحة وجذب الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال وتوفير فرص عمل مستدامة
كما أن مؤسسات الدولة والجهات المعنية مطالبة بالاستمرار في متابعة التطورات الدولية وتقدير آثارها المحتملة على القطاعات الحيوية واتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت الملائم
فالرهان الحقيقي لا يقتصر على تجاوز أزمة دولية بعينها بل يمتد إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وأوسع تنوعا وأكثر استجابة لاحتياجات المواطنين
وفي النهاية فإن الحفاظ على الوطن واستقراره مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والابتعاد عن الشائعات والتعامل مع المعلومات الموثوقة وعدم الانسياق وراء التهويل أو التهوين
وتبقى مصر بما تمتلكه من إمكانات بشرية ومؤسسات وطنية وموقع استراتيجي قادرة على تعزيز فرصها في مواجهة التحديات متى اقترنت هذه الإمكانات بحسن الإدارة والعمل والإنتاج والتخطيط للمستقبل
حفظ الله مصر وشعبها وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار ووفق أبناءها إلى ما فيه الخير والتقدم والازدهار



