الأسد لا يشرح للخراف لماذا هو ملك
بقلم: أيمن بحر
هناك عبارات قليلة تحمل فى كلماتها معاني كبيرة من الحكمة والكبرياء والثقة بالنفس ومن أجمل هذه العبارات قولهم الأسد لا يشرح للخراف لماذا هو ملك فهي ليست مجرد كلمات تقال للتفاخر أو التعالي على الآخرين بل تحمل رسالة عميقة لكل إنسان يعرف قدر نفسه ويدرك قيمة ما يملكه من مبادئ ومواقف وخبرات
فالأسد لا يحتاج إلى إعلان قوته في كل لحظة ولا يقف في الغابة ليقنع الحيوانات بمكانته لأن حضوره وحده يكفي وصمته في كثير من الأحيان أبلغ من ألف كلمة أما من يعرف قيمته حقا فلا ينشغل طوال الوقت بتبرير أفعاله لكل من يحاول التقليل منه ولا يجعل حياته ساحة مفتوحة للدفاع عن نفسه أمام أصحاب النوايا السيئة
ليس كل صمت ضعفا وليس كل رد انتصارا
في هذه الحياة ستقابل أشخاصا يحاولون التشكيك في قدراتك مهما قدمت من إنجازات وقد تجد من يتجاهل نجاحك أو يقلل من قيمة تعبك أو يفسر مواقفك على هواه لا لشيء إلا لأنه لا يريد أن يراك في المكانة التي تستحقها وهنا تظهر قيمة الحكمة الحقيقية وهي أن تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ومتى يكون الرد واجبا ومتى يكون التجاهل أرقى وأقوى
فالإنسان الواثق من نفسه لا يعيش أسيرا لآراء الناس ولا يسمح لكلامهم أن يسرق راحته أو يغير مبادئه ولا يقيس نجاحه بعدد المعجبين به أو بعدد من يصفقون له بل يقيسه بما يحققه من عمل نافع وما يتركه من أثر طيب وما يحافظ عليه من كرامة وأخلاق
القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج
هناك فرق كبير بين من يمتلك القوة ومن يحاول أن يبدو قويا فالأول تثبت الأيام مواقفه وتكشف الشدائد معدنه أما الثاني فيستهلك عمره في الكلام والمظاهر ومحاولة إقناع الجميع بأنه الأفضل
القوة ليست في إهانة الآخرين ولا في التقليل من شأنهم وليست في رفع الصوت أو الدخول في كل معركة بل القوة الحقيقية أن تمتلك نفسك عند الغضب وأن تحافظ على كرامتك دون أن تجرح كرامة غيرك وأن تواجه الإساءة بالحكمة حين يكون ذلك ممكنا وأن تقف بحزم عندما يتطلب الموقف الحزم
فالأسد لا يصبح ملكا لأنه يطلب من الجميع الاعتراف به بل لأن له صفات تميزه في عالمه وكذلك الإنسان لا يصنع مكانته بمجرد الألقاب أو الادعاءات وإنما يصنعها بالصدق والإخلاص والعمل وتحمل المسؤولية والوفاء بالعهود
لا تشرح نفسك لمن قرر ألا يفهمك
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يستهلك طاقته في محاولة إرضاء الجميع فمهما فعلت ستجد من ينتقدك ومهما أحسنت ستجد من يبحث عن خطأ ومهما التزمت بالحق ستجد من يحاول تشويه صورتك
لذلك لا تجعل رضا الناس غايتك الوحيدة ولا تسمح لكل كلمة أن تستفزك ولا تدخل في نقاشات لا تبحث عن الحقيقة بل تبحث عن الانتصار الوهمي
اشرح موقفك عندما يكون التوضيح ضروريا واحفظ حقك عندما يتطلب الأمر ذلك واعتذر إذا أخطأت ولا تتردد في مراجعة نفسك لكن لا تجعل حياتك كلها محاولات لإثبات قيمتك لمن لا يريد أن يراها
فالتواضع لا يتعارض مع عزة النفس والاعتذار عند الخطأ لا يقلل من الهيبة والاعتراف بالحقيقة لا ينتقص من القوة بل إن الإنسان العظيم هو الذي يجمع بين الثقة والتواضع وبين الحزم والرحمة وبين الكرامة واحترام الآخرين
دع أفعالك تتحدث عنك
لا تتعجل في الرد على كل إساءة ولا تجعل الغضب يقود قراراتك فالأيام كفيلة بكشف كثير من الحقائق والمواقف الصعبة قادرة على إظهار معادن البشر والوقت وحده قد يكشف الفرق بين من يملك الكلام ومن يملك الفعل
اجعل نجاحك ردا على من شكك في قدراتك واجعل أخلاقك شهادة على تربيتك واجعل وفاءك دليلا على أصلك واجعل عملك الصادق عنوانا لشخصيتك ولا تنشغل بالانتقام ممن أساء إليك فليس كل خصم يستحق معركتك وليس كل خلاف يستحق أن تخسر من أجله سلامك الداخلي
وتذكر أن احترام الناس لك لا يُفرض بالقوة ولا يُشترى بالمال ولا تصنعه الكلمات الرنانة بل تبنيه المواقف الصادقة والعدالة وحسن التعامل والقدرة على الوفاء بالوعود
الخلاصة
الأسد لا يشرح للخراف لماذا هو ملك ليست دعوة للغرور أو احتقار الآخرين بل رسالة إلى كل إنسان يعرف قيمة نفسه ويؤمن بأن المكانة الحقيقية تُصنع ولا تُدّعى وأن الكرامة لا تعني التعالي وأن الثقة بالنفس لا تعني الاستهانة بالناس
كن قويا دون قسوة ومتواضعا دون ضعف وصامتا حين يكون الصمت حكمة ومتحدثا حين يكون الكلام واجبا ولا تسمح لأحد أن يدفعك إلى التخلي عن أخلاقك من أجل إثبات أنك الأقوى
فليس المطلوب أن تقنع الجميع بأنك أسد بل أن تعيش بكرامة وشرف وأن تثبت الأيام أنك إنسان صاحب مبدأ وموقف وأن تترك وراءك سيرة طيبة يتحدث عنها الناس بصدق لا خوفا منك ولا مجاملة لك
فالأسود لا تحتاج إلى التصفيق حتى تعرف قوتها والرجال أصحاب المواقف لا يحتاجون إلى الضجيج حتى تثبت قيمتهم لأن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى صوت مرتفع والعمل الصادق يبقى أقوى من ألف ادعاء.



