انتقل إلى المحتوى
الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026
زون .. الخبر كما يجب أن يكونZONE NEWS GLOBAL
▥ مؤشرات البورصة
أخبار مصرية

أكتوبر.. ملحمة وطن لا ينحني

✎ محمد عقيل◷ 6 أكتوبر، 2026وقت القراءة 1 دقيقة

أكتوبر.. ملحمة وطن لا ينحني

همزة وصل

بقلم: إسماعيل عيد

ليست كل الأيام سواء في ذاكرة الأوطان؛ فبعضها يمضي مع الزمن، وبعضها يمضي بالزمن إلى الأمام. وبعض الأيام لا تُكتب في التقويم فحسب، وإنما تُنقش في وجدان الشعوب، وتظل شاهدة على لحظةٍ استردت فيها أمةٌ ثقتها بنفسها، وأثبتت أن الكبوة مهما اشتدت لا تعني السقوط، وأن الهزيمة مهما كان وجعها لا تستطيع أن تصادر حق الشعوب في النهوض.
ومن بين تلك الأيام يطل السادس من أكتوبر، شامخًا في الذاكرة المصرية والعربية، لا باعتباره ذكرى لانتصار عسكري فحسب، وإنما باعتباره عنوانًا لإرادة وطن قرر أن يعبر الألم، ويستعيد الأرض، ويكتب بدماء أبنائه فصلًا جديدًا من تاريخه.
في أكتوبر لم تعبر القوات المسلحة المصرية قناة السويس وحدها؛ عبرت مصر كلها.
عبر الجندي المصري الجسر إلى الضفة الأخرى، وعبرت معه آمال الملايين، وأحلام الأمهات، وصلوات الآباء، ودموع الأسر التي عرفت أن الطريق إلى استعادة الأرض لا يُعبد إلا بالتضحية.
كان العبور لحظةً فارقة بين زمنين؛ زمنٍ أثقلته مرارة النكسة، وزمنٍ جديد استعادت فيه مصر ثقتها بقدرتها على الفعل والانتصار. ولم يكن ذلك التحول وليد المصادفة، بل كان ثمرة إعداد طويل، وتخطيط دقيق، وإرادة سياسية وعسكرية، وتضحيات قدمها رجال آمنوا بأن الوطن يستحق أن تُبذل من أجله الأرواح.
في ساحات القتال، لم يكن الجندي المصري يحمل سلاحه وحده؛ كان يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه. كان يحمل تراب القرية، ووجه أمه، وذكريات الطفولة، وراية مصر، ويعرف أن خلفه شعبًا ينتظر منه أن يفتح الطريق نحو الأرض والكرامة.
وهكذا أصبح السادس من أكتوبر أكثر من تاريخ عسكري؛ أصبح حكاية مصرية عن الإرادة حين تتحول إلى فعل، وعن الإيمان حين يتحول إلى صمود، وعن التضحية حين تصنع مستقبلًا لأجيال لم تولد بعد.
ولأن الانتصارات الحقيقية لا تُقاس فقط بما يحدث في ميادين القتال، فإن القيمة الأعمق لأكتوبر تكمن في أثره داخل الإنسان المصري. لقد أعاد النصر الثقة إلى النفوس، وأكد أن الشعوب لا تُقاس بما يصيبها من عثرات، وإنما بقدرتها على النهوض بعدها.
لقد قالت أكتوبر للعالم إن مصر تستطيع أن تتألم دون أن تستسلم، وأن تتراجع خطوة لتعيد ترتيب صفوفها، ثم تعود إلى الميدان أكثر إصرارًا على استرداد حقها.
وفي كل احتفال بذكرى النصر، ينبغي ألا ننسى أن وراء المشهد المضيء أسماءً لم تصل إلى منصات التكريم، ووجوهًا غابت عن الصور، وأجسادًا استقرت تحت تراب الوطن. إنهم الشهداء الذين دفعوا الثمن الأكبر، وتركوا لنا ميراثًا من الكرامة لا يجوز أن يتحول إلى مجرد كلمات موسمية.
سلام على أرواحهم في عليائها، وسلام على أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم، وسلام على كل جندي عاد من المعركة يحمل في جسده أثرها وفي قلبه سرها.
إن الوفاء لأكتوبر لا يكون بالاحتفال بها مرة كل عام، ولا بترديد عبارات النصر ثم العودة إلى تفاصيل الحياة وكأن شيئًا لم يكن. الوفاء الحقيقي هو أن نفهم الدرس.
والدرس واضح:
أن الوطن لا يحميه إلا أبناؤه.
وأن الكرامة تحتاج إلى إرادة.
وأن النصر لا يأتي لمن ينتظره، وإنما لمن يستعد له ويعمل من أجله.
وأن مصر، بتاريخها الطويل، لم تكن يومًا وطنًا عابرًا في جغرافيا العالم، وإنما كانت وستظل صاحبة تجربة إنسانية وحضارية عميقة، تعرف كيف تنهض كلما حاولت المحن أن تثقل خطاها.
إن أكتوبر المجيد يضع أمام الأجيال سؤالًا أكبر من سؤال الحرب والنصر: ماذا نفعل نحن بهذا الإرث؟
هل نكتفي بأن نحكي للأبناء كيف عبر آباؤهم؟ أم نعلمهم كيف يعبرون هم أيضًا تحديات عصرهم بالعلم والعمل والوعي والانتماء؟
فالحرب انتهت، لكن معركة بناء الوطن لا تنتهي.
والجندي الذي حمل السلاح في أكتوبر كان يدافع عن مستقبل مصر، ونحن اليوم مطالبون بأن نحمل مسؤولية ذلك المستقبل كلٌّ في موقعه؛ في المدرسة والجامعة والمصنع والمزرعة والمستشفى وميدان العمل، وأن نجعل من حب الوطن طاقة للبناء لا مجرد عاطفة عابرة.
لقد عبر أبطال أكتوبر القناة، لكن العبور الحقيقي الذي يجب أن يبقى في وجداننا هو عبور الإنسان المصري من اليأس إلى الأمل، ومن الخوف إلى الثقة، ومن انتظار المستحيل إلى صناعة الممكن.
لهذا ستظل أكتوبر حاضرة.
ستظل في صوت المدافع الذي أعلن بداية العبور، وفي صمت الجندي قبل المعركة، وفي دمعة أمٍّ كانت تعرف أن ابنها ذاهب إلى الميدان، وفي فرحة وطن أدرك بعد سنوات الألم أن النصر ممكن حين تتوحد الإرادة.
ستظل أكتوبر صفحةً مضيئة في كتاب مصر، لا لأن التاريخ توقف عندها، وإنما لأن التاريخ تحرك بها.
فالمجد ليس أن تنتصر مرة، وإنما أن تتعلم من انتصارك كيف تحمي وطنك، وكيف تبني مستقبلك، وكيف ترفض أن تعود إلى الوراء.
سلامٌ على أكتوبر يوم كان وعدًا بالنصر.
وسلامٌ عليه يوم صار حقيقة.
وسلامٌ عليه في ذاكرة كل مصري يعرف أن وراء كل شبر من تراب الوطن قصة تضحية، وأن وراء كل راية مرفوعة أرواحًا آمنت بمصر حتى آخر نبضة.
سلام على مصر… وطنًا وجيشًا وشعبًا.
وسيبقى السادس من أكتوبر شاهدًا على أن الأوطان قد تمر بالعواصف، وقد تُصاب بالجراح، وقد تتأخر في الوصول إلى ما تريد، لكنها حين تمتلك إرادة العبور، فإنها تستطيع أن تفتح لنفسها طريقًا وسط المستحيل.
تلك هي أكتوبر…
ليست ذكرى نحتفل بها، بل قيمة نتعلم منها.
وليست صفحة من الماضي، بل رسالة إلى المستقبل.
وليست مجرد انتصار في معركة، بل حكاية وطن أثبت أن من يمتلك إرادة النهوض لا يستطيع التاريخ أن يكتب نهايته.
مصر عبرت… وستظل تعبر.

محمد عقيل

رئيس مجلس الادارة لجريدة Zone News Global

اترك تعليقًا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *