هل اقتربت نهاية الهيمنة الغربية أم أن العالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى؟
تقرير بقلم أيمن بحر
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد صراع عسكري يدور على أراضي أوكرانيا بل تحولت إلى مواجهة استراتيجية واسعة تتجاوز حدود البلدين لتطال مستقبل الأمن الأوروبي وطبيعة العلاقات بين القوى الكبرى وشكل النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
فمع استمرار الصراع وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الأطراف المعنية تتجدد التساؤلات حول شروط موسكو لإنهاء الحرب ومدى قدرة الغرب على الحفاظ على تماسك تحالفاته في مواجهة روسيا والصين والقوى الصاعدة التي تسعى إلى توسيع نفوذها في عالم سريع التغير.
روسيا وشروط التسوية السياسية
تتمسك موسكو بجملة من المطالب الأمنية والسياسية التي تعتبرها ضرورية لإنهاء الحرب وضمان عدم تجدد المواجهة مستقبلا وفي مقدمتها رفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي الناتو والمطالبة بضمانات أمنية تحول دون استخدام الأراضي الأوكرانية باعتبارها نقطة انطلاق لأي تهديد عسكري ضد روسيا.
كما تسعى روسيا إلى تثبيت المكاسب الإقليمية التي حققتها خلال الحرب والحصول على اعتراف بوضع المناطق التي تسيطر عليها أو التي أعلنت ضمها إلى أراضيها ومن أبرزها شبه جزيرة القرم وأجزاء من دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون.
وتطالب موسكو كذلك بمعالجة ملف العقوبات الغربية المفروضة على اقتصادها ضمن أي تسوية شاملة بينما تطرح مسألة تقليص القدرات العسكرية الأوكرانية باعتبارها أحد أهدافها الاستراتيجية.
غير أن هذه المطالب لا تمثل اتفاقا نهائيا لإنهاء الحرب بل تعكس الموقف الروسي الذي يصطدم برفض أوكراني وغربي لعدد من بنوده الأساسية ولا سيما ما يتعلق بالسيادة الأوكرانية والحدود المستقبلية والحق في اختيار التحالفات الأمنية.
أوروبا بين الضغوط الاقتصادية ومخاوف الأمن
تواجه الدول الأوروبية معادلة شديدة التعقيد تتمثل في ضرورة الحفاظ على أمنها ودعم أوكرانيا من جهة وتجنب استنزاف اقتصادي وعسكري طويل الأمد من جهة أخرى.
وقد كشفت أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب عن حجم التحديات التي تواجه الاقتصادات الأوروبية في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية وتوفير بدائل مستقرة بأسعار مناسبة.
وفي الوقت نفسه لا يمكن اختزال الموقف الأوروبي في العجز أو الاستسلام للشروط الروسية إذ تواصل دول أوروبية الاستثمار في قدراتها الدفاعية وإعادة تقييم سياساتها الأمنية والاقتصادية في ضوء التحولات الدولية.
أما العلاقات الأمريكية الأوروبية فقد أصبحت بدورها موضع نقاش متزايد بشأن تقاسم أعباء الدفاع ومستقبل الالتزامات الأمريكية تجاه حلفائها وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الغرب على الحفاظ على وحدة موقفه في مواجهة التحديات الاستراتيجية.
واشنطن وموسكو وبكين وإعادة ترتيب النظام الدولي
تتجه الأنظار إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا والصين باعتبارها أحد المحددات الرئيسية لشكل النظام العالمي المقبل.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على موقعها القيادي بينما تعمل الصين على توسيع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي وتتحرك روسيا للحفاظ على مكانتها كقوة كبرى قادرة على التأثير في الملفات الأمنية الدولية.
ومن هنا يبرز مفهوم العالم متعدد الأقطاب الذي يقوم على وجود أكثر من مركز رئيسي للقوة والنفوذ بدلا من انفراد دولة واحدة بتحديد اتجاهات السياسة الدولية.
لكن الحديث عن ولادة نظام عالمي جديد لا يعني بالضرورة انتهاء الهيمنة الغربية بصورة فورية أو انتقال العالم إلى توازن مستقر بين القوى الكبرى فهذه التحولات عادة ما تكون تدريجية وتتداخل فيها المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية مع المصالح السياسية والتحالفات الإقليمية.
كما أن أي حديث عن اجتماع مرتقب يجمع الولايات المتحدة وروسيا والصين أو عن تفاهمات نهائية بين هذه القوى يحتاج إلى معلومات موثقة بشأن موعده وأطرافه وجدول أعماله قبل اعتباره مؤشرا مؤكدا على إعادة تقسيم مناطق النفوذ الدولية.
هل يتكرر سيناريو مؤتمر يالطا؟
يستحضر بعض المحللين مؤتمر يالطا الذي عقد عام 1945 باعتباره نموذجا تاريخيا لتفاهمات القوى الكبرى بشأن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
غير أن الظروف الدولية الحالية تختلف بصورة كبيرة عن تلك المرحلة فالعالم اليوم أكثر ترابطا اقتصاديا وتكنولوجيا كما أن مراكز القوة أصبحت أكثر تنوعا وتشابكا.
ولذلك فإن أي تفاهمات بين واشنطن وموسكو وبكين لن تعني بالضرورة إعادة تقسيم العالم بالطريقة نفسها التي شهدها القرن الماضي بل قد تفضي إلى ترتيبات جديدة بشأن الأمن والتجارة والتكنولوجيا ومناطق التنافس الاستراتيجي.
أوكرانيا بين الحسابات الروسية والمصالح الغربية
تظل أوكرانيا الطرف الأكثر تأثرا بنتائج أي تسوية سياسية لأنها تواجه تحديات تتعلق بوحدة أراضيها ومستقبل أمنها واستقلال قرارها السياسي.
وفي المقابل ترى روسيا أن منع توسع الناتو باتجاه حدودها يمثل مسألة أمن قومي لا يمكن تجاهلها بينما يعتبر الغرب أن فرض شروط بالقوة قد يشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
وهنا تتعقد فرص التسوية بين مطالب روسية تتعلق بالأمن والأراضي والعقوبات ومطالب أوكرانية تتعلق بالسيادة والضمانات الأمنية والدعم الدولي.
ومن ثم فإن أي اتفاق قابل للاستمرار يحتاج إلى ترتيبات واضحة تضمن وقف القتال وتقلل احتمالات تجدد الحرب وتحدد آليات تنفيذ الالتزامات والتحقق منها.
الشرق الأوسط في قلب التحولات الدولية
لا تنفصل هذه التطورات عن الشرق الأوسط الذي يمثل منطقة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى بسبب موقعه الجغرافي وثرواته وطرق التجارة والطاقة والممرات البحرية الحيوية.
وتؤكد هذه المعادلة أهمية امتلاك الدول العربية رؤى استراتيجية مستقلة تقوم على حماية الأمن القومي وتعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير القدرات الدفاعية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
كما تبرز أهمية الدور المصري في دعم الحلول السياسية



