انتقل إلى المحتوى
الجمعة، 9 أكتوبر 2026
زون .. الخبر كما يجب أن يكونZONE NEWS GLOBAL
▥ مؤشرات البورصة
مقالات الرأي

الرجولة فى زمن التحديات أصبحت كالقابض على الجمر

✎ ayman mohamed◷ 8 أكتوبر، 2026وقت القراءة 1 دقيقة

الرجولة فى زمن التحديات أصبحت كالقابض على الجمر

بقلم: أيمن بحر

فى زمن اختلطت فيه المفاهيم وتراجعت فيه بعض القيم وأصبحت فيه المظاهر تتقدم على الجوهر بات من الضرورى أن نعيد النظر فى معنى الرجولة الحقيقية وأن نفرق بين مجرد الذكورة وبين الرجولة التى تصنعها الأخلاق وتثبتها المواقف وتؤكدها المسؤولية

نعيش اليوم زمنا تتصارع فيه المبادئ مع المصالح وتختلط فيه الأصوات وتنتشر فيه أفكار تحاول إعادة تعريف الصواب والخطأ والحق والباطل حتى أصبح التمسك بالقيم والأخلاق والدين عند البعض أمرا صعبا يحتاج إلى قوة في الإيمان وصلابة في الشخصية وثبات على المبدأ

وفي خضم هذه التحولات تبرز حقيقة مهمة وهي أن الذكورة صفة بيولوجية يولد بها الإنسان أما الرجولة فهي قيمة إنسانية وأخلاقية تتجلى في السلوك وتظهر في المواقف وتترسخ بالتربية والوعي وتحمل المسؤولية

الذكورة ليست دليلا على الرجولة

ليس كل ذكر رجلا بالمعنى الذي تستحقه الكلمة فالرجولة لا تقاس بقوة الجسد ولا بغلظة الصوت ولا بالمظهر الخارجي ولا بالقدرة على فرض السيطرة على الآخرين وإنما تقاس بقدرة الإنسان على ضبط نفسه واحترام غيره والالتزام بمبادئه والوقوف إلى جانب الحق مهما كانت التحديات

الرجل الحقيقي هو الذي يمتلك عقلا يزن به الأمور وضميرا يرشده إلى الصواب ومبادئ لا يتخلى عنها من أجل مصلحة عابرة أو مكسب مؤقت وهو الذي لا يسلم عقله لكل من يتحدث ولا يجعل قراراته رهينة لضغوط الآخرين بل يستمع ويناقش ويفكر ويتحقق ثم يختار ما يراه صحيحا عن وعي واقتناع

والرجولة الحقيقية لا تعني العناد أو رفض النصيحة وإنما تعني امتلاك القدرة على التمييز بين النصيحة الصادقة ومحاولات التضليل وبين الرأي الذي يستحق الاحترام والكلام الذي لا يستند إلى عقل أو منطق

ومن علامات الرجل الناضج أن يعترف بخطئه إذا أخطأ وأن يتعلم من تجاربه وألا يجعل كبرياءه حاجزا يمنعه من الاعتذار أو مراجعة النفس فالقوة الحقيقية ليست في الإصرار على الخطأ وإنما في الشجاعة التي تدفع الإنسان إلى تصحيحه

الرجولة دين وأخلاق وأمانة

الرجولة الحقيقية تظهر في علاقة الإنسان بربه وفي معاملته للناس وفي التزامه بما يؤمن به من قيم ومبادئ فالرجل الذي يحترم دينه ويسعى إلى أداء واجباته ويعرف حدود الحلال والحرام ويدرك أن العبادة ليست مظهرا فقط وإنما سلوك وأمانة ورحمة وعدل هو رجل يفهم أن الدين مسؤولية قبل أن يكون كلمات تردد

وتظهر الرجولة في الصدق عندما يكون الكذب أسهل وفي الأمانة عندما تغيب الرقابة وفي الوفاء عندما تتغير المصالح وفي العدل عندما تكون القدرة على الظلم متاحة

الرجل الحقيقي يحفظ الحقوق ولا يعتدي على كرامة الآخرين ولا يستغل ضعفهم ولا يتنكر لمن وقفوا بجانبه وقت الشدة ويعرف أن الكلمة أمانة وأن العهد مسؤولية وأن احترام الناس لا يتحقق بالخوف منه وإنما بالثقة في أخلاقه وعدله واستقامته

كما أن الرجولة تظهر في احترام الأسرة وصلة الرحم وبر الوالدين والحرص على تربية الأبناء تربية تقوم على المحبة والقدوة الحسنة لا على القسوة وحدها فالأب الحقيقي ليس مجرد شخص ينفق على أسرته وإنما إنسان يمنح أبناءه الأمان ويعلمهم الصدق ويحمي كرامتهم ويكون لهم نموذجا يحتذون به

النخوة وتحمل المسؤولية من شيم الرجال

من أهم علامات الرجولة النخوة والشهامة والغيرة المسؤولة التي تقوم على صون الكرامة وحماية الحقوق واحترام الحدود دون ظلم أو تسلط أو انتقاص من الآخرين

فالرجولة ليست ادعاء القوة أمام الضعفاء وليست استعراضا للسيطرة داخل الأسرة أو المجتمع وإنما هي قدرة على الحماية وتحمل المسؤولية والوقوف إلى جانب المظلوم ومساندة المحتاج والدفاع عن الحق بالوسائل المشروعة

والرجل الحقيقي لا يهرب من واجباته ولا يحمل الآخرين نتائج أخطائه ولا يختفي عندما تشتد الأزمات بل يكون أول الحاضرين عند الحاجة وأقدر الناس على مواجهة الصعاب بما يمتلكه من عقل وحكمة وصبر

ومن الرجولة أيضا أن يرحم الإنسان من هم أضعف منه وأن يحسن معاملة الحيوان وأن يدرك أن الرحمة لا تتعارض مع القوة بل تمنحها معناها الحقيقي فالإنسان القوي ليس من يستطيع إيذاء غيره وإنما من يستطيع أن يملك نفسه حين يغضب وأن ينتصر لأخلاقه حين تدعوه الظروف إلى التخلي عنها

الرجولة ليست تشبها بالمظاهر ولا صراعا مع المرأة

ومن الضروري أن نفهم أن الرجولة لا تختصر في المظهر أو الملابس أو نبرة الصوت كما أنها لا تقوم على التقليل من شأن المرأة أو الانتقاص من قدرها فالرجولة الحقيقية تتجلى في احترام المرأة وصون كرامتها والوفاء بالحقوق والقيام بالواجبات

ولكل من الرجل والمرأة كرامته الإنسانية ومسؤوليته في الحياة ولا ينتقص من رجولة الرجل أن يكون رحيما أو متواضعا أو يعبر عن مشاعره بصورة متزنة كما لا تصبح القسوة دليلا على القوة ولا يتحول التسلط إلى فضيلة لمجرد أن صاحبه يراه مظهرا من مظاهر الرجولة

إن الرجولة الحقيقية تحتاج إلى التوازن بين الحزم والرحمة وبين القوة والتواضع وبين الثبات على المبدأ والقدرة على مراجعة النفس وهي صفات لا تتحقق بالشعارات وإنما تتكون بالتربية والوعي والخبرة وحسن الاختيار

الثبات على المبادئ في زمن المصالح

أصعب اختبارات الرجولة تظهر عندما تتعارض المبادئ مع المصالح وعندما يصبح قول الحقيقة مكلفا وعندما يجد الإنسان نفسه أمام طريقين أحدهما يحقق له مكسبا سريعا على حساب ضميره والآخر يحفظ له كرامته وإن كان أكثر مشقة

هنا يظهر معدن الرجال فليس كل من يتحدث عن المبادئ قادرا على الالتزام بها وليس كل من يرفع شعارات الشرف والوفاء يثبت عليهما وقت الاختبار

الرجل الحقيقي لا يغير مواقفه كلما تغيرت الظروف ولا يبيع كلمته من أجل رضا الآخرين ولا يجعل مصلحته الشخصية معيارا وحيدا للحكم على الأشياء وإنما يدرك أن قيمة الإنسان فيما يحفظه من عهد وما يصونه من أمانة وما يتركه من أثر طيب في حياة الناس

ومع ذلك فإن الثبات على المبادئ لا يعني الجمود أو رفض التطور بل يعني التمسك بالقيم الصحيحة مع الاستعداد للتعلم والتغيير نحو الأفضل فالعاقل يراجع أفكاره ويصحح أخطاءه أما صاحب المبدأ فيرفض أن يتخلى عن الحق لمجرد أن الباطل أصبح أكثر انتشارا

لماذا أصبح التمسك بالرجولة الحقيقية تحديا

في زمن تتسارع فيه التغيرات وتتصدر فيه المظاهر المشهد وتؤثر فيه وسائل التواصل الاجتماعي على تصورات الأجيال عن النجاح والقوة والمكانة أصبح من الضروري أن نعيد الاعتبار إلى القيم التي تبني الإنسان من الداخل

فليس النجاح في كثرة المتابعين ولا القوة في القدرة على الإساءة ولا المكانة في امتلاك المال وحده وإنما النجاح الحقيقي في أن يظل الإنسان أمينا على مبادئه وأن يكون مصدر أمان لمن حوله وأن يترك خلفه سيرة طيبة تشهد له بها المواقف قبل الكلمات

وإذا كان البعض يرى أن التمسك بالرجولة في هذا الزمن يشبه القابض على الجمر فإن التحدي الحقيقي ليس في مواجهة المجتمع كله وإنما في أن يبدأ كل إنسان بإصلاح نفسه وأن يربي أبناءه على الصدق والاحترام وتحمل المسؤولية وأن يقدم لهم القدوة بالفعل قبل القول

فالرجولة لا تولد كاملة مع الإنسان وإنما تنمو حين يتعلم احترام الآخرين ويعرف قيمة الكلمة ويدرك عواقب أفعاله ويتحمل نتائج قراراته ويؤمن بأن الكرامة لا تعني التعالي وأن القوة لا تعني الظلم وأن الرجولة لا تعني إلغاء الآخرين

الخلاصة

إن الذكورة صفة بيولوجية أما الرجولة فهي منظومة من القيم والأخلاق والمواقف والمسؤوليات وهي التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية بين الناس

والرجل ليس من يرفع صوته أكثر ولا من يفرض رأيه بالقوة ولا من يدعي الكمال وإنما هو من يحترم دينه ويتمسك بأخلاقه ويصون كرامة الآخرين ويحفظ الأمانة ويتحمل المسؤولية ويعترف بخطئه ويقف إلى جانب الحق ويجعل من وجوده إضافة طيبة لأسرته ومجتمعه ووطنه

فالرجولة ليست كلمة تقال ولا مظهرا يتباهى به صاحبها وإنما سيرة تثبتها الأيام ومواقف تكشف المعادن وأخلاق تبقى شاهدة على صاحبها حتى بعد غيابه

وفي زمن تتغير فيه الوجوه وتتبدل فيه المصالح وتكثر فيه الشعارات تظل الرجولة الحقيقية قيمة لا يصنعها المظهر ولا تمنحها الألقاب وإنما تصنعها التربية ويصقلها الوعي ويثبتها الموقف

فالقاعدة التي ينبغي أن نتذكرها دائما هي أن كل رجل ذكر ولكن ليس كل ذكر قد استكمل معاني الرجولة

فالرجولة الحقيقية أن تكون قويا دون ظلم وصريحا دون إساءة وحازما دون قسوة ورحيما دون ضعف وأن تظل متمسكا بالحق حتى عندما يصبح التمسك به هو الاختيار الأصعب

ayman mohamed

كاتب في زون نيوز جلوبال

اترك تعليقًا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *