بقلم كاتب الصعيد
حسين ابوالمجد حسن
نبدا على بركه الله كتابه سلسله بطولات مصريه لاتموت
في الثامن من أكتوبر عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين اختنقت سماء الفردان برائحة البارود واللحم المحترق حين أطبقت جحافل اللواء مئة وتسعين مدرع إسرائيلي بصلفها وغرورها على الأرض السمراء لتسحق العبور المصري فتفتحت أبواب جهنم واستحالت صحراء سيناء إعصاراً من النيران والحديد المذاب في ملحمة عسكرية حبست أنفاس العالم وشهدت على تحطم أسطورة الفولاذ الذي لا يطهر تحت أقدام رجال لا يعرفون الخوف وكانت الذروة بسقوط القائد الأسطوري عساف ياجوري أسيراً وذليلاً بين يدي صياد الدبابات المصري
لم تكن حرب أكتوبر مجرد عبور للقناة ولا مجرد تحطيم لخط بارليف كانت اختباراً لأعصاب الرجال حين يصبح الفولاذ في مواجهة اللحم والدم وحين تصبح خمس عشرة ثانية هي الفارق بين الحياة والموت وبين النصر والهزيمة
في قطاع الفردان يوم ثمانية أكتوبر كانت الأرض تغلي فرقة مدرعة إسرائيلية كاملة يقودها أسطورة المدرعات الإسرائيلية العقيد عساف ياجوري قائد اللواء مئة وتسعين مدرع تتقدم بجنون لتأديب المصريين الذين تجرأوا وعبروا خمسون دبابة سنتوريون وباتون كل واحدة وزنها خمسون طناً من الحديد والنار تزحف وتطلق حممها
وفي حفرة صغيرة حفرة لا تكاد تستر جسداً كان يجلس شاب مصري نحيل ابن قرية بسيطة من صعيد مصر مجند مؤهل ملازم أول فيما بعد اسمه محمد المصري لم يكن يحمل مدفعاً ولا دبابة كان يحمل على كتفه صندوقاً صغيراً وبيده جهاز توجيه سلكي لصاروخ اسمه فاجوت صاروخ سوفيتي بدائي فكرته بسيطة وعبقريته في يد من يستخدمه
فكرة الصاروخ أنك بعد أن تطلقه يجب أن تظل مثبتاً لعينيك ويديك على الهدف لمدة خمس عشرة ثانية كاملة توجهه بسلك رفيع يخرج منه خمس عشرة ثانية في حرب الدبابات هي عمر كامل الدبابة تراك ومدفعها الرشاش يمطرك وقذائفها تهز الأرض حولك وأي اهتزازة في يدك أي رمشة عين خوف تعني أن الصاروخ سيضيع في الصحراء وستموت أنت
لكن يد محمد المصري لم تكن تهتز
يقول رفاقه إنه دمر في ذلك اليوم وحده سبعاً وعشرين دبابة ومدرعة نسبة نجاح مئة بالمئة صاروخ يخرج دبابة تنفجر صاروخ آخر دبابة أخرى تتفحم حول الفردان إلى مقبرة للحديد الإسرائيلي جن جنون القيادة الإسرائيلية من هذا الشبح الذي يصطاد دباباتنا كالعصافير
وجاءت اللحظة الفاصلة جاءت الإشارة في جهاز اللاسلكي بصوت متوتر يا محمد شايف الدبابة اللي هناك دي اللي بتتقدم لوحدها دي دبابة قائد اللواء نفسه خلصنا منها
نظر محمد رأى دبابة القيادة عليها هوائيات كثيرة تتحرك بثقة القائد الذي يظن أن لا أحد يجرؤ عليه
ثبت قدميه في الرمل حبس أنفاسه أطبق على جهاز التوجيه العالم كله سكت في أذنيه لم يعد يسمع هدير الدبابات فقط صوت قلبه ضغط الزناد
انطلق الصاروخ يزحف بسلكه يشق الهواء بصفير والمصري يوجهه بثبات ثلج ثانية ثانيتان خمس عشر حتى ارتطم
انفجار هائل وعمود نار وتطاير البرج الحديدي في الهواء أصابها في مقتل
خرج من الدبابة رجل مذعور يرفع يديه مستسلماً ملابسه ممزقة وجهه أسود من الدخان لم يكن جندياً عادياً كان هو نفسه عساف ياجوري قائد اللواء مئة وتسعين أسطورة سلاح المدرعات الإسرائيلي التي تتغنى بها صحف تل أبيب
تم أسره ونقل إلى القيادة المصرية وهناك وهو أسير مهزوم محطم الكبرياء طلب طلباً غريباً لم يطلبه أسير قبله قال للمترجم أريد أن أرى الجندي الذي دمر دبابتي أريد أن أرى من فعل بي هذا بهذه الدقة والسرعة
فجاءوا له بمحمد المصري شاب بسيط وجهه عليه تراب المعركة لا يتجاوز الثانية والعشرين من عمره ببيادة قديمة وأفرول متسخ
وقف ياجوري القائد الذي علمته أكاديميات إنجلترا وأمريكا أمام المجند المصري البسيط نظر إليه طويلاً بذهول بعين لا تصدقان أن هذا الشاب هو من هزمه ثم وبدون مقدمات وبدون أن يؤمر وقف وانتصب ورفع يده اليمنى وأدى له التحية العسكرية كاملة تحية من قائد مهزوم لقائد منتصر تحية من أسطورة سقطت أمام حقيقة جديدة اسمها الجندي المصري
كانت تلك التحية هي شهادة النصر الحقيقية ليست شهادة منا نحن بل من العدو نفسه
رحل صياد الدبابات البطل محمد المصري عن دنيانا في نوفمبر ألفين وأربعة وعشرين بعد أن عاش في صمت بعيداً عن الأضواء لكنه ترك درساً يدرس في الأكاديميات العسكرية حتى اليوم أن الحرب ليست بالحديد بل بالقلب الذي لا يهتز واليد التي لا ترتعش في وجه النار
رحم الله البطل وأسكنه فسيح جناته وسيبقى مشهد التحية العسكرية التي أداها ياجوري للمصري مشهداً يكسر كبرياء الغطرسة إلى الأبد
حفظ الله مصر جيشا وشعبا وقياده
الله.الوطن
مقالات الرأي
عساف ياجورى اليهودى بعد الاسر ادى التحيه للمقاتل المصرى



